وأسأل الله حسن الخاتمة لكل مسلم، وفيها أقول مكررًا - الحمد لله أولًا وآخرًا وأسأله السلامة من كل شر، والكرامة من كل خير، وبعد:
فان كان ولابد لى أن أقول، ما سبب هذا المجهود الضعيف، فانه قد قضت ارادة الله أن أكون بعيدًا عن المدينة، وفيها مولدى ومسقط رأسى، وفيها زهرة شبابى وغض اهابى، وعنفوان رجولتى (( بضع سنين غريبًا ) )وأنا بين قومى من العرب ولكن في الغربة ما يلاقيه أمثالى، زرت فيها بعض الأقطار العربية، كنت أمضى الليل على فراش الأرق الممل، أجوب بخاطرى ردهات المدينة وشوارعها، وأمضى بين نخيلها وحرارها، حتى يؤذن فلق الصبح، فأودع خواطرى لأتقلب متنقلًا بين شوارع المعيشة الضيقة، وأزقتها الملتوية، وهكذا كان نصيبى من القدر، ولله الحمد على السراء والضراء.
لم أجد منفذًا من هذا الا أن أعود الى الباب الذى لا يغلق، الا أن أتمسح بأعتابه واستجاب لتضرعى، فتسلمت بابه، وطفت بالبيت العتيق، وما لى وللبعد، فقد كفانى ما مضى، وعدت ولله الحمد الى بلد حبيبه، وأحب البقاع اليه، عدت لا زائرًا فحسب بل مقيمًا، أسأله تعالى الجوار الأبدى فيها.
كنت في الروضة وعلى باب بيت عائشة رضى الله عنها (باب التوبة) أقلب النظر في الحجرة وأديره الى الروضة، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يدخل رأسه الى عائشة رضى الله عنها ترجله، هذا مصلاه - هذه سارية كذا، هذه أخرى، وانتقل بى نظر الرسم الى التخطيط، هذا منزل بنى غنم، وذلك منزل بنى عدى، وهكذا بدأت فكرة التخطيط الى وضع خريطة للحجرة النبوية وأخرى للمسجد النبوى الى خريطة عامة لكافة المدينة المنورة، في حدود حماها، في مدى ألف وستمائة كيلو مربع.