قال تعالى: {وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] ، فعباد الرحمن لا يزنون، والزنا انتهاك الأعراض، وهو إتيان فرج لا يحل كما يأتي الزوج زوجته حلالًا، فلا يفعل ذلك بعقد وزوجية صحيحة، ولا يفعل ذلك بملك يمين، ومن يفعل ذلك يكون قد اعتدى، وعدوانه هذا جزاؤه في الشرع إن كان عزبًا مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان محصنًا فالرجم حتى الموت.
والمؤمن يبتعد عن هذه الأشياء كلها ابتعاد السليم من الأجرب، فالمؤمن لا يكفر بالله، ولا يشرك به شركًا خفيًا ولا جليًا، ولا يزهق نفس المؤمن ظلمًا وعدوانًا إلا بحق، والحق يرفع إلى من ينفذه، وهو الحاكم المؤمن، ولا يعتدي على الأعراض المحرمة عليه، ومن اعتدى بعد ذلك فهو الظالم الذي يستحق العقوبة، وهو الذي لا يوصف بصفات المؤمنين العابدين.
وقد سأل ابن مسعود رضي الله عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- فقال له: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل الله ندًا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل وليدك مخافة أن يطعم معك) ، كما كان يفعل في الجاهلية قبل، وكما يفعل اليوم في مختلف بقاع الأرض، فيزهقون الأرواح أجنة لا تزال في الأرحام وقد نفخت فيها الأرواح، ويقتلونهم وهم أطفال ليبتعدوا عن مسئولية النفقة عليهم، ولا تزال الصحف وأجهزة الإعلام في مشارق الأرض ومغاربها تقص من ذلك العجائب والغرائب، وذلك يدل على أن قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير:8] لا يعنى به أهل الجاهلية فحسب، فهذا الذنب وهذا الإجرام لا يزال قائمًا بين الناس في جاهليتهم الجديدة، على أن الكافر يعيش في جاهلية مستمرة قبل وجوده وبعد وجوده إلا أن يؤمن بالله، ويعترف بالله جل جلاله خالقًا ورازقًا وواحدًا، وبمحمد عبدًا ونبيًا ورسولًا وخاتم الأنبياء والرسل، وإلا فهو جاهلي لا يزال يعيش في الجهالة والضلالة.
والزنا من أقبح ما يبتلى به مجتمع، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما انتشرت الفاحشة في قوم إلا وبلوا بأمراض لم يكن يبتلى بها آباءهم وأجدادهم) .
ونحن نرى اليوم في هذا العصر أمراضًا بين الناس في المشارق والمغارب هي نتيجة الزنا، ونتيجة الفساد، وهي أمراض ما كان الناس في القرون الأولى يعرفونها، وهذا جزاء في الدار الدنيا قبل جزاء دار الآخرة.
وسل أي طبيب فقل له: ما هي الأمراض التي يحملها أكثر المرضى عند علاجك لهم؟ فسيقول لك: أكثر أمراضهم أمراض الجنس، أمراض القبل والدبر، أمراض الفساد والفاحشة والزنا.
فالجراثيم والأقذار والأوساخ لا تكون في موضع كما تكون في موضع القبل والدبر، فإذا اتصل سليم بمريض عن طريق الفرج الحرام انتقل ذلك من الفرج الحرام إلى فروج أخرى، ومن كان متزوجًا ينقل ذلك إلى أهله، فيخرج الأولاد مرضى منذ الطفولة، بل منذ كانوا في أرحام أمهاتهم وهم أجنة، والمرض إذا خرج مع الجنين فقلما يسلم صاحبه، فيعيش مريضًا مدة حياته، وينتشر ذلك منه إذا كبر في أولاده.
وكثير من الأمراض التي ترى اليوم في الأطفال والنساء والرجال إن بحثت عنها فستجد أن البيئة ليست بيئة صالحة، وليس أهلها قومًا متقين ولا خائفين من الله، فهم يتصلون بكل فرج حرام، حتى إذا أفلتوا من الحد وقعوا في قبضة تلك الأمراض.
وكثيرًا ما يفلتون من الحد، بل قد أسقطت الحدود في ديار الإسلام إلا شيء لا يزال في بلدنا هذه.