قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} [المؤمنون:29] .
أي: عندما تستوي على السفينة وتجد نفسك ومن معك قد أنقذك الله ونجاك ونصرك كما طلبت على عدوك الظالم لنفسه المشرك بربه، فاشكر نعمة الله عليك، فإذا غاضت المياه وغارت ونزلت إلى البر مرة ثانية فاطلب من ربك وادعه وقل: (( رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا ) )أي نزولًا، وقرئ: (منزلًا) أي: مكانًا أنزل فيه، (مباركًا) أي: تبارك لي فيه وفي ذريتي وذرية من معي، وتبارك لي فيه بالخيرات والأرزاق المتوالية المتتابعة، فقد علمه الله أن يدعوه، واستجاب لدعائه جل جلاله وعلا مقامه، فالدنيا من بعد نوح جددت كما كانت أيام آدم، وزادها الله بركات ويمنًا، وزادها خيرات ونماء، فقد أخذ زوجين اثنين من كل نوع وأصبحوا الآن بما لا يعد ولا يحصى عدًا لا في البشر، ولا في الحيوان، ولا في الطير، ولا في كل ما خلق الله من قبل.
(( وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) )أي: أنت خير من ينزل، وخير من يكرم، وخير من يجعل للإنسان منزلًا مباركًا يبارك فيه، فالإنسان قد يستضيف والضيافة لا تكاد تكفي مهما كانت، ولكنك القادر على أن تضيف كل خلقك، وأن تنزل كل خلقك، وأن تبارك لهم في الذرية والرزق والعطاء وكل ما هم في حاجة إليه في الحياة الدنيا.
ومن هنا استحب فقهاؤنا أن الإنسان عندما يركب مركبًا يقول هذا الدعاء في الركوب، وعندما ينزل يقول: (( رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا ) )، وقريء: (منزلًا مباركًا) وكلها قراءات متواترة نزل بها الوحي القاطع.
فعند الركوب دعوات منها: باسم الله مجراها ومرساها، ونوح أيضًا قد ذكر ذلك عندما ركب السفينة، وحمد الله على أن أنجاه كذلك، فقال: (باسم الله مجراها) أي: جريانها وسفرها وقطعها لهذه البحار والمياه، {بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود:41] باسم الله والتيمن به أركب وأسير، وباسم الله أنزل وأرسو على البر بعد أن غاضت المياه وظهر وجه الأرض.