فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 2442

تفسير قوله تعالى:(ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله)

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17] .

يوم يحشرهم الله يوم القيامة ويحييهم بعد الموت ويجمعهم إليه للحساب والعقاب، يجمع العابد والمعبود ولا يخفون عليه جل جلاله.

يوم يحشر العابدين والمعبودين من هؤلاء المشركين، فيقول الله للمعبودين: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ} [الفرقان:17] أي: هل أنتم قلتم لعبادي هؤلاء: اعبدونا واجعلونا شركاء مع الله {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17] أم ضلوا من أنفسهم؟ ويقال هذا للملائكة الذين عبدهم بعض الناس وقالوا عنهم: بنات الله، ويقال هذا لعيسى الذي عبده النصارى، ويقال هذا لعزير الذي عبده اليهود.

وهكذا يجمع الله هؤلاء ويقول لعيسى وللملائكة ولعزيز ولكل من عبد من دون الله من الجمادات والأصنام والتماثيل، إذ يحشرها الله معهم، ويرزقها النطق واللسان للكلام: {أَأَنْتُمْ} [الفرقان:17] استفهام تقريعي توبيخي للعبدة للمشركين.

{أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ} [الفرقان:17] يعني: هل أنتم الذين أزغتموهم عن الطريق السوي، وأبعدتموهم عن التوحيد والإيمان؟ قال تعالى: {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17] أي: من قبل أنفسهم، إذ إن عقولهم لم توصلهم للخير، فلم يقبلوا دعوة العلماء ورثة الأنبياء، ومن قبلهم لم يقبلوا دعوة الرسل والأنبياء والأصحاب الكرام والأتباع التابعين لهم بإحسان.

فأول ما يبتدئون به

الجوابسبحانك، فينزهون الله عن أن يكون له شريك، أو أن يكونوا هم شركاء، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وليس بيدهم شيء.

قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18] أي: لا ينبغي لنا ولا يليق، فنحن خلق من خلقك وعبيد من عبيدك، فكيف العبد يعبد؟ وكيف المخلوق يعبد؟ وكيف المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا يكون إلهًا معك؟ ننزهك عن هذا ونعظم شأنك ونقدسك، فلا يليق هذا ولا ينبغي لنا وليس من حقنا، فأنت يا رب أعظم من ذلك كله.

فقوله: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18] .

أي: لا يليق بنا وليس من حقنا ولا هو من شأننا أن نتخذ من دونك من أولياء، أنت ولينا ومولانا وخالقنا، وأنت المتفرد بالألوهية والربوبية والخلق والرزق، والمنفرد بالإماتة والإحياء، فكيف ونحن أعجز من أن ننفع أنفسنا أو نضرها فضلًا عن أن نكون آلهة معك كيف نقبل ذلك؟ كيف يعجبنا؟ كيف نوافق عليه؟ قال تعالى: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: ولكن الذي حدث يا ربنا! أنك متعتهم بالحياة والرزق والصحة، ومتعتهم بالملك والسلطان، وبطول الأعمار، وهكذا نسوا الذكر، ونسوك ونسوا توحيدك، ونسوا نبيك وكتابك، ونسوا دينك، فضلوا وأضلوا.

قوله: {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: كانوا هلكى، تقول: بارت السلعة إذا فسدت ولم تجد مشتريًا، وتقول: بارت الأرملة ولم تتزوج إذا لم تصلح للزواج، أو لم يطلبها أحد.

وتقول عن من لم يتزوج من الرجال والنساء: قد بار وهلك في نفسه فلم يتزوج، أي: هلك وكان بائرًا.

فهؤلاء كانوا قومًا هلكى، وكانوا قومًا فاسدين لا يصلحون، ولا يميزون بين الحق والباطل، أما أن نقول لهم نحن ذلك فمعاذ الله وحاشى الله.

والله سيقول لعيسى يوم القيامة: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116] ، فيقول: {قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة:116] أي: أنزهك يا رب! عن ذلك وأعظمك أن أقول ذلك، قال: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:116] أي: لا يليق بي ولا يحق لي.

ثم عاد فقال: {إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116] ، {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المائدة:117] أي: أنا لم أدعهم إلا لعبادتك وتوحيدك وطاعتك، فهم من أنفسهم كذبوا وافتروا، وزعم اليهود أنهم قتلوني وصلبوني، وزعم هؤلاء الأفاكون أني إله ورب، وليس شيء من ذلك واقعًا، فأنا عبد من عبيدك وخلق من خلقك، لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا.

ولكن هؤلاء طالت بهم الأعمار حتى نسوك ونسوا النبوات السابقة، ونسوا أن الله واحد، وأنه نزل الكتاب على أنبيائهم ليعملوا به، {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] أي: كانوا هلكى فاسدين لا يصلحون لنور ولا لحق ولا لدين، ونحن ما قلنا ذلك وما كان لنا أن نقوله.

قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19] يقول الله أو ملائكته لهؤلاء المشركين: قلتم: إن عزيزًا دعاكم لعبادته وللشرك بالله، وقلتم: إن عيسى دعاكم، وإن الملائكة دعتكم، فأين ما كنتم تزعمون؟ وأين ما كنتم تقولون؟ وإذا بهم يبلسون ويخسئون وييأسون من الرحمة، ولات حين مناص.

وفي تلك الساعة بعد أن كذبهم من كانوا يشركون بهم مع الله، قال الله عنهم: لا يملكون لأنفسهم صرفًا ولا نصرًا، أي: لا يستطيعون أن يصرفوا العذاب، ولا يستطيعون ما هو أقل من ذلك وأحقر.

قوله: {وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19] أي: لا ينصرون أنفسهم ولا يعينونها بشيء وقد تخلى عنهم من كانوا يعبدونهم من دون الله، ومن كانوا يشركونهم مع الله، فصاروا حيارى ضائعين هلكى تائهين لا يملكون صرف العذاب عنهم، ولا يملكون نصر أنفسهم، وهكذا دارت الدائرة عليهم، ولقوا جزاء الشرك والكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت