قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] .
فمن نبلهم ومن رفعة أخلاقهم أنهم إذا جاء الجاهل إلى أحدهم فشتمه وصاح في وجهه قال له: سلام، أي: سدادًا فيقولون قولًا لا شتم فيه، ولا سب فيه، ولا خبث فيه، فيجب على المسلم أن يعيش بلين المعاملة، وطيب اللسان، فلا ينطق بلسانه ما يقوله السفيه، حتى ولو قال له ذلك، فلا يقول إلا سلامًا، أي: سدادًا.
وقد قال الله تعالى في مثل هذا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] ، فذاك العدو عندما يشتمك، وعندما يقول عنك ما يقول ادفعه بالكلمة الطيبة اللطيفة، وبالحركة البشوشة، فيصبح وكأنه أخ حميم وصديق مخلص.
قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35] ، فلا يتحمل هذا ولا يطيقه ولا يصبر عليه المؤمن الصادق الواعي القوي الإرادة، أما عامة الناس فالواحد منهم بأقل حركة يثور، وبأقل حركة يشتعل.
وهكذا كانت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت قريش تشتمه وتهجره وتقول فيه وتقول، ومع ذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم سبابًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا رافعًا صوته، ولا يجيب هؤلاء على شتائمهم، وقد كانوا يقولون عنه: مذمم، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: (انظروا كيف يصرف الله عني شتائم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا وأنا محمد) أي: أنا لست مذممًا، فليبحثوا عن المذمم الذي يشتمونه، بل أنا محمد، وسماني الله محمدًا، فصلى الله عليه وعلى آله.