ومن هنا اختلف الفقهاء في حكم تقسيمها، فقال الظاهرية والمالكية والحنفية: يجب أن يؤكل منها؛ لأن الله قال: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:36] ، وقال قبل ذلك: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] ، وأكد هنا هذا فقال: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] ، أي: لوها أنتم وأطعموا القانع الذي لا يأتيكم، وقد يكون قريبًا أو جارًا فقيرًا وليس الفقر ظاهرًا عليه، ولكنك تعلم من حاله وتسمع منه أنه محتاج ولكنه لا يسأل، فهذا أحوج لصدقتك وهديتك من الذي يتعرض لك، والمعتر: الفقير الذي يعتريك ويتعرض لصدقتك، فقالوا: تقسم أثلاثًا: ثلثًا لك ولأهلك، وثلثًا لجيرانك ولأقاربك، وثلثًا للصدقة، وقال البعض: لا تحديد في ذلك، كل منها أي شيء، وأعط الأقارب صلة، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر البدن في حجة الوداع أمر عليًا أن يقطع من كل بدنة قطة لحم فأكل من هذه القطع، وشرب من مرقها، وتصدق وأعطى الباقي، وماذا عسى أن يكون أكل من هذا اللحم قطعة أو قطعتين أو ثلاثًا؟ وأين هذه الثلاث من مائة بدنة! وماذا عسى أن يكون شرب من المرق: كأسًا أو كأسين؟! ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أكل من هديه ومن ضحيته.
ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36] أي: كما جعلناها لكم مآكل في لحومها، ومشارب في ألبانها، وملابس في صوفها وأوبارها، ومراكب في ظهورها كذلك ذللناها وسخرناها لكم وجعلناها ذليلة، فتجد القطار ذي 100 والـ 200 من البدن يقودها رجل واحد، ولو أن جملًا واحدًا هجم على مجموعة من الرجال لقهرهم وأذلهم، وقد يجن أحيانًا فلا يقدر عليه إلا بأن يضرب بالرصاص، أو ينحر في لبته، ولكن الله ذللها وسخرها لنا ملكًا ومراكب، وسخرها لنا لننتزع منها ما نلبسه.
وهكذا جعلت مذللة ليستفيد منها الإنسان، ويقول الله: إنه كما سخرها للذبائح والأكل فقد سخرها لنا كذلك للاستعمال، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36] أي: لعلكم تشكرون نعم الله الظاهرة والباطنة {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34] .