فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 2442

تفسير قوله تعالى:(ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون:49] .

بعد أن أنهي القول مختصرًا ومضى قبل مفصلًا بتمام القصة بيانًا منذ البداية إلى النهاية، فهنا أعاد الله ذلك لتذكير هؤلاء المصرين من قريش ومن العرب ومن الفرس والروم بعد ذلك، وجميع ملل الأرض وشعوبها على الإطلاق ممن أرسل لهم جميعًا محمد العربي صلوات الله وسلامه عليه.

ذكر الله تعالى بعد هلاك فرعون وملئه أنه أرسل لبني إسرائيل الكتاب: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) )، فأنزل عليه التوراة ليبلغه إلى قومه من بني إسرائيل هاديًا وداعيًا إلى الله وتوحيده وعبادته، وإلى تصديق موسى وهارون في كل ما يبلغانه عن الله، وكانت النتيجة أيضًا أن بني إسرائيل على ما لقي منهم موسى، ولقي منهم هارون من عنت، وعلى ما ذاقوه من ذل واستعباد فرعون لهم، وقهر ملئه إلا أنهم أخذوهم وذهبوا بهم إلى القدس إلى فلسطين، فما كادوا يعبرون النهر ويتجاوزون النيل حتى أخذوا يصنعون الأصنام ويعبدون العجل، فعوقبوا به أربعين عامًا يتيهون في الأرض، فلم يصلوا إلى القدس إلا وهم في ذل، وأبوا الدخول على عادتهم قديمًا وحديثًا، فقالوا لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] ، وأرادوا كما أرادوا اليوم أن تأتي دول الكفر على كل أشكالها ويعطوهم أرضًا بعد فراغها من سكانها وشعوبها، فيعطوها لهؤلاء الضائعين الذين لعنهم الله ومسخهم قردة وخنازير، ولعنوا لعنة الآباد، وإنما يستدرجهم الله بما هو أشد بلاء وأعظم جزاء، وهكذا إلى أن أخذوا الأرض كما أخذت قبل، فلم يحسنوا سابقًا ولم يحسنوا لاحقًا، وكانوا المصدر للفساد، وكانوا الأس لنشر الظلم، وسفك الدماء، وهتك الأعراض قبل وبعد.

(( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) )أنزل عليه التوراة فيها الهداية والنور، فأول ما صنعوا أنهم أخذوا يتلاعبون بكتاب ربهم، فبدلوه وغيروه وحرفوه، ونقلوه من كتاب يدعو إلى الله الواحد إلى عبادة العزير وإلى عبادة العجل، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17] ، وكفر اليهود إذ قالوا: العزير ابن الله، كما قال ذلك النصارى عن عيسى ابن مريم، فهم أمم كلما جاءت أمة لعنت أختها، وزادت وتبرت إياها كفرًا وشركًا وطغيًا وظلمًا وعدوانًا، وهكذا دمر الله الكل وأصبحوا أحاديث وقصصًا تتلى وعبرًا؛ لعل الآتين بعدهم يتعظون بها، ويأخذون منها الحكمة والعبرة، فلا يفعلون فعلهم، ولكنهم مع هذا أبوا إلا أن يفعلوا فعلهم، فعوقبوا عقوبتهم، بل سلط عليهم هؤلاء الأذلون أنفسهم.

{أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] ، والكل بعد ذلك إلى جنهم وبئس المصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت