فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 2442

تفسير قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:21] .

هذه هي العبرة والنتيجة، وهذا هو الدرس الذي يستفاد من قصة الإفك، وهو أن كل ذلك كان نتيجة اتباع الشيطان وتهاويل الشيطان، ولذلك أمر الله المؤمنين جميعًا ألا يتبعوه.

ومنذ أن قام صلى الله عليه وسلم في هذه البطاح المقدسة وهو يدعو الناس جميعًا ويقول لهم: إني رسول الله إليكم جميعًا، ومنذ كانت قصة الإفك، وما نزل فيها من توبيخ وتقريع وتأديب، فكان رمزها وكان نتيجتها أن الإنسان لا يتخذ الشيطان صديقًا ولا حبيبًا، فهو عدو لنا، فيجب أن نتخذه عدوًا.

يقول الله جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:21] .

كان الخطاب لمن أدب وعوقب نتيجة قذفه ونتيجة استسهاله للعرض الذي قذفه وقال عنه الباطل، فأمر هؤلاء وقد تاب عليهم، ونبه المؤمنين جميعًا من مضى ومن يأتي بعد ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] .

الخطوات جمع خطوة، والخطوة السبيل والطريق، أي: لا تتبعوا الشيطان في معاصيه، وفي وساوسه فيما ينزغ به بينكم وبين ربكم، ومع كتابكم، وبين المؤمنين عامة.

يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا، وبمحمد نبيًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن كتابًا، إياكم والشيطان، فلا تتبعوه، ولا تتخذوه إماما، فإن إمامكم القرآن ودينكم الإسلام، ولا يليق بمسلم أن يتخذ الشيطان وليًا وإمامًا ومتبوعًا وقائدًا.

والخطوة تعني: أن تذهب معه خطوة بخطوة، هو يسبقك فتتبع خطواته، أي تتبع سيرته وعمله، كمن يتبع خطوات من سبقه خطوة خطوة، وقدمًا قدمًا، وطريقًا طريقًا.

والمعنى: لا تتخذوا الشيطان إمامًا فسيقودكم إلى النار وإلى الكفر والنفاق، وإلى الذل والمهانة، فهو الذي أخرج أبويكم من الجنة، فاتخذوه عدوًا، ولا تتخذوه مولىً، فلو فعلتم لأخرجكم عن دينكم، ولأذلكم في الدنيا والآخرة.

ولا تتبعوا طريقه وسننه وأخلاقه ودينه، ودين الشيطان كل أنواع الفواحش والمعاصي والمخالفات لله، والمخالفة لرسول الله، والمخالفة لكتاب الله، واكتساب الحرام، وترك الطاعات بكل أنواعها.

وهكذا فاتباع خطوات الشيطان لا تقود إلا للعنة وللردة وللكفر.

قوله: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] .

الذي يفعل ذلك ويتبع خطوات الشيطان ويجعله قدوته، ويجعله القائد له في مسيرته، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر، فيأمر بالزنا وتوابعه، ويأمر بكل ما لا يحبه الله، وبكل ما نهى الله عنه ورسوله، وبكل ما حرمه الإسلام، تلك طريقته، وذاك دينه، وتلك خطواته، وكيف يليق بالمؤمن اتباعه والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور:21] .

فالمؤمن المفروض فيه أن يكون تابعًا ومؤتسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مؤمنًا بربه، تابعًا لكتابه، ممتثلًا لأمره، تاركًا لما نهى عنه، فأنتم عندما تتبعون خطوات الشيطان فالشيطان لا يأمر بمعروف قط، بل يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، ويأمر بالفواحش على كل أشكالها، وأي مؤمن لا يرضى ذلك ولا يقبله.

وكيف يليق ذلك بكم وهاأنتم هؤلاء عندما اتبعتم نزغات الشيطان، ووساوس الشيطان، قمتم وأنتم مؤمنون صالحون مجاهدون فقذفتم أم المؤمنين، وارتكبتم ما كانت نتيجته ذُلكم وجلدكم ومهانتكم، ولولا الرحمة والفضل من الله فقد قبل توبتكم، واكتفى بجلدكم، واكتفى بهذا الحد، ولولا ذلك لنكل الله بكم في الدنيا والآخرة، ولما قبل توبة، ولما اكتفى بالجلدات فقط، لذلك فهو لم يكتف من المنافقين بذلك، فقد جلدوا في الدنيا وحدوا، ولعذاب الآخرة أنكى وأشد.

قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21] .

لولا الرحمة الإلهية، ولولا الفضل والجود والكرم الإلهي، {مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21] أي: ما آمن ولا أسلم، والمعنى: أن الذين لم يخوضوا في الإفك، ولم يخوضوا في الباطل، ولم يكرروا ما قاله المنافقون في قذف أم المؤمنين، وقذف عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله هو الذي طهرهم من ذلك، وزكاهم بذلك، وأكرمهم بذلك ولولا فضل الله في ذلك لم يزكوا ولم يتطهر منهم أحد أبدًا، ولكن فضل الله كبير.

قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور:21] أي: ولكن الله يزكي من يشاء فضلًا منه ورحمة وكرمًا، وقد زكّى الكثيرين، وطهر الكثيرين، فلم يدخلوا في هذه الوساخة، وهذه القذارة، وهذا القذف للأعراض الطاهرة الشريفة، فكانوا بذلك مطهرين، وكانوا بذلك صالحين قد زكاهم الله فطهرهم، وحفظ ألسنتهم، من قول السوء، ومن تكرار ما قاله المغفلون والمنافقون.

{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} [النور:21] سميع لأقوالكم، ناظر لأعمالكم، حكيم في أوامره ونواهيه، يسمع منكم ما تقولون، (عليم) يعلم الصادق منكم من الكاذب، عليم بأحوالكم، عليم بالمؤمن الصادق، وبالمؤمن المذبذب الضعيف، عليم بالمؤمن المخلص كما هو عليم بالمنافق، فلا تظنوا يومًا ولا لحظة ولا ساعة أنكم يمكن أن تعملوا عملًا لا يعلمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت