قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] .
يقول الله عن بعض المشركين، وعن بعض اللسنين المجادلين، وهم مع كفرهم ومع ردتهم ومع شركهم فيهم عناد وجدال للحق بالباطل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:3] .
وكان سبب نزول هذه الآية ما قاله النضر بن الحارث وهو يلف المشركين حول رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو جالس عند الكعبة الشريفة، يقول لهم: هذا الذي يقوله محمد أنا أقول مثله، لقد سافرت ورأيت بلاد الروم وبلاد الفرس وأستطيع أن أقص عليكم أساطير الأولين كما يقصها محمد، فهو يجادل بالباطل، ويجادل بغير علم، فلم يحاج ويبرهن ويستدل ويبحث عن الحق بدلائل المعقول والمنقول، وبالدلائل التي يقبلها العقل السليم، وبالأدلة التي نزلت وحيًا عن الله جل جلاله على رسله وعلى خاتم النبيين عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، فالآية قد نزلت من أجل النضر، هذا وقد لقي جزاءه وقتل مع عقبة بن أبي معيط يوم بدر؛ يوم الفرقان، يوم نصر الله لنبيه وللمسلمين، وهذه صفة كل مشرك مضى أو سيأتي.
وكثيرًا ما نجالس بعض هؤلاء المشركين وبعض المرتدين ممن كان يومًا مسلمًا، فيجادل بالباطل في كتاب الله وهو يجهل منه أي كلمة وأية آية، ويجادل في دين الله وهو لا يعلم عنه نقيرًا ولا قطميرًا.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:3] وما أكثرهم، فهو يجادل في الله بغير علم {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] فإمامه الشيطان، ومصدر تلقيه هو الشيطان ووسوسته وأضاليله، ويتبع كل شيطان من الإنس والجن من أئمة الباطل ومن أئمة الشرك، ومن أئمة الفساد في الأرض، فتراه يتبع كل ناعق، وتراه مع كل شيطان مارد.
قال تعالى: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] أي: متمرد، وفعيل: صيغة مبالغة، أي: شديد التمرد على الله، وشديد الإصرار والتمسك بالشرك والعناد والمخالفة للسنة ولكتاب الله الكريم: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] .
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ} [الحج:4] أي: قدر عليه، أي: قدر على الشيطان في الأزل منذ تعاظم على ربه وتكبر على السجود لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأبى أن يسجد له متعاظمًا متكبرًا مخالفًا لأمر الله، وأول ما عصي الله بالكبر، وما تعالى إنسان على الله إلا وقصمه وأماته بالذل والهوان حتى كأنه البعوض.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ} [الحج:4] أي: كتب على الشيطان أن من تولاه، أي: من جعله وليًا، وجعله إمامًا، وجعله متبوعًا، وجعله يوحي إليه بكفره وشركه.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] فمن تولاه واتبع قوله، واتبع وساوسه كانت نتيجته أنه يضل ويشرك ويتمرد تمرد الشيطان.
قال تعالى: {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] أي: إلى أشد أنواع العذاب والحريق بحيث تتسعر به جهنم كأنه وقودها، وكأنه الحجر أو الحطب الذي به اشتعلت النار وتسعرت واشتد حريقها.
وهداية الشيطان ليست إلى النور، ولا إلى الحق، ولا إلى التوحيد، ولكن إلى عذاب السعير، إلى جهنم وبئس المصير، إلى لعنة الله وغضبه، فلا يقوده ولا يهديه إلا إلى الشرك والكفر والضلال.