وكما يجب نشر الإسلام يجب نشر لغته، ولقد كان الأمر كذلك منذ القرن الأول إلى بعد القرن الثاني الهجري بقرنين أو ثلاثة قرون إلى مدة مائتي سنة، حتى جاءت وثنية الوطنية والقومية فتعصب لذلك؛ نتيجة نفاق المنافقين وكفر الكافرين وصد الصادين عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وابن تيمية في كتابه (الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) والذي ينبغي أن يسمى: الدولة العربية الإسلامية قال: لقد كان المسلمون في عصرهم الثاني في جميع شعوبهم عربًا وعجمًا وفرسًا ورومًا وأحباشًا وهنودًا وعلوجًا يتكلمون العربية كأهلها.
وفي عصره جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة من أرض طنجة من المغرب ورحل لمدة ثلاثين عامًا في ديار المسلمين في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، ولم يكن يعرف إلا اللغة العربية، فكان يتكلم بها مسافرًا ومهاجرًا ورحالة، وتقلد في أكثر هذه الأقطار مناصب عالية كحاكم وقاض، وما كان يتكلم إلا بلغته العربية فيفهمون عنه ويفهم عنهم، وتزوج زوجات في كل مصر دخله زوجتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وكن يمتنعن من السفر معه فيطلقهن ويترك لهن أولاده، فلم يعودوا يتصلون به.
فهو كان عمليًا يتكلم اللغة العربية وكانت كل شعوب الإسلام تتكلم بها.
فـ ابن تيمية ذكر هذا علمًا، وابن بطوطة المغربي ذكر هذا جلوسًا ووقوفًا بنفسه على ذلك، وما تغير هذا إلا منذ قرنين بعد فساد الأزمان وانتشار الجهل وتولي الكافرين مصالح المسلمين وشئونهم، فاخترعوا لهم التعصّب للوطن وللأقوام، وهي عقائد وثنية جاهلية.
والمسلم جميع ديار الإسلام وطنه، وجميع المسلمين إخوانه؛ ولذلك الكفرة من بعض الحكام إذا أرادوا امتحان موظف سألوه: هل المواطن اليهودي أو النصراني أقرب إليك أو المسلم الهندي أو الأندونيسي؟ فإن قال: المسلم أخي حيث كان أسقطوه ولم يعدوه وطنيًا أو قوميًا، مع أن كتاب الله وعقيدة المسلمين على خلاف ذلك، والله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] .
فالمؤمن أخي حيث كان في أرض الله، في أمريكا أو في أوروبا أو في الهند أو في الصين، فجميع من قال: لا إله إلا الله فهو أخي، وليس أخي من أشرك بالله ولم يؤمن بالإسلام دينًا ولو كان من أقرب الأقربين إليّ، فذاك أخي؛ لأن الله آخى بيني وبينه، وذاك عدوي أو تحت ذمتي وليس أخًا لي بحال من الأحوال.