لقد اختلف أئمتنا وأعلامنا: هل الحج ماشيًا أفضل أم الحج راكبًا؟ فمذهب الشافعي: أن الحج راكبًا أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حج راكبًا، والفضل دائمًا بالأسوة النبوية، وبما أن النبي عليه الصلاة والسلام حج راكبًا فالحج راكبًا أفضل.
وقال المالكية: ليس الأمر كذلك؛ فالله قدم الرجال على الضامرين، فلما قدم رجالًا على كل ضامر دل ذلك على أن الحج ماشيًا أفضل.
وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال عند السعي: (أبدأ بما بدأ الله به) ، وقال الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] فبدأ السعي من الصفا، وهو قد أعطى الأسبقية والأفضلية لما قدمه الله في الآية، وهذا حكمها كذلك.
إذًا: الحج ماشيًا له الأفضلية والأسبقية؛ لأن الفعل النبوي في السعي بدأ من الصفا، وأما كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يحج ماشيًا فهذا يجب أن يكون معروف المعنى؛ لأن من العادة النبوية والهدي النبوي إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما على أمته، فلو حج عليه الصلاة والسلام ماشيًا في حجة الوداع التي حج فيها معه مائة وعشرون ألف حاج، وفيهم الشيخ الهرم، والعجوز الشمطاء، والطفل الصغير، وفيهم المريض، فلو حج ماشيًا لما استطاع أحد ممن معه أن يحج راكبًا، فكيف يحج راكبًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحج ماشيًا، فهذه قلة أدب، وقلة ذوق، فخير له ألا يحج راكبًا ورسول الله على قدميه، ومن العادة النبوية أن يختار الأيسر على أمته، فركب عليه الصلاة والسلام تخفيفًا على من معه من الحجيج، والأمر واضح.
وكان ابن عباس يفضل الركوب في الحج، وفي أخريات أيامه وكان قد أضر في بصره، وضعف في بدنه فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحججت بيت الله ماشيًا؛ لأنه تأكد له بعد ذلك أن من حج ماشيًا أفضل.
وحج الكثير من الصحابة والتابعين والصالحين مشاة، وأكثر من حج ماشيًا هم المالكية، ونحن نرى الآن الأفارقة السود ومن يأتي من المغرب العربي من يأتي من هذه البلاد التي تدين بمذهب مالك يأتون مشاة؛ لأنهم يعتبرونه الأفضل.
وليس من الضروري أن يمشوا مسرعين، وإنما يمشون يومًا وليلة ثم يستريحون، أو يمشي كل واحد منهم ما يستطيع ثم يستريح ساعة أو يستريح للأكل والقيلولة وغير ذلك، ومع الأيام يكسبه ذلك قوة ومرانًا وصلابة في الأعضاء والعصب، وضمورًا في البطن، ويجد راحته في المشي، ولكن الله تعالى لا يكلف أحدًا أكثر من طاقته، فما جعل علينا في الدين من حرج.