اختلف الفقهاء اختلافًا طويلًا هل يلزم من التخيير طلاق؟ وإذا لزم الطلاق فهل يعتبر طلقة واحدة أم ثلاثًا؟ وإن كانت واحدة فهل هي طلقة رجعية أو بائنة؟ بكل ذلك قد قال فقيه وفقهاء، وكل ذلك لا معنى له في هذه الآية الكريمة، فهو ليس تخييرًا في الطلاق، ولكنه تخيير بين قبول حياة رسول الله على ما فيها من زهد، وعلى ما فيها من عدم رفاهية وغنى، وبين إرادة زينة الدنيا وزخرفها، فهن إن أردن الدنيا وزخرفها وزينتها فليخبرن رسول الله أن يفعل ما قاله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} [الأحزاب:28] ومتعة الطلاق لها كلام آخر سنعود إليه.
وقوله: {وَأُسَرِّحْكُنَّ} [الأحزاب:28] .
أي: بعد أن تأخذ كل واحدة منهن متعتها، فهذا يدل على أنه ليس في الطلاق ألبتة، ولكن هو تخيير بين الله ورسوله والدار الآخرة، وبين الدنيا وزينتها وزخرفها، فإن اخترن الزينة والحياة الدنيا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيطلق، وإن اخترن الله ورسوله فالأمر على ما هو عليه، فلا حاجة لهذا النزاع ألبتة كما قال القرطبي.
وكما قال المحققون من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، إن التخيير ليس في الطلاق، ولكنه تخيير بين الدنيا والآخرة، وبما أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة فلم يكن هناك طلاق لنقول: هي طلقة رجعية أو بائنة أو ثلاث طلقات، ولم يذكر أحد من المفسرين على الإطلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر ذلك طلاقًا ثم ردّهن، وكأن أحدًا قال لـ عائشة ذلك فأجابت بقولها: (اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولم يكن شيء) أي: لم يكن فراق ولا طلاق، والأمر واضح.