أما سعد بن معاذ فقد جرح في الخندق ودعا الله تعالى ألا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة الذين خادعوا الإسلام والمسلمين، وغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفروا حفرة كانوا الواقعين فيها، وبحثوا عن حتفهم بأنفسهم.
فتم له ما أراد، وحكم في رجالهم بالقتل، وفي النساء والأطفال بالأسر، وفي أموالهم بقسمتها، فخمست ثم قسمت فجعل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد.
ثم بعد ذلك بزمن قليل انفجر جرحه، وانقطع أكحله، وهو العرق في اليد يتصل بالقلب، فاستفحلت الدماء، فدخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا له: (يا نبي الله من هذا الذي مات، لقد اهتز له عرش الرحمن؟ فقام صلى الله عليه وسلم مسرعًا من بيته ليرى ما الذي صنع الله بـ سعد وهو عند الجارية السوداء رفيدة تعالجه وتمرضه، وإذا به يجده قد مات) ، فكان اهتزاز العرش وحضور الملائكة في جنازته كرامة من الله لهذا الصحابي الجليل الشهيد رضوان الله عليه.
وقد حاول بعض من يطعن في هذا الحديث من حيث المعنى، فقالوا: (اهتز العرش) أي: اهتز السرير الذي حمل عليه سعد، ولكن في الحديث ذكر عرش الرحمن.
قال أبو عمر ابن عبد البر من أئمة المالكية الأندلسيين: ولم لا يهتز العرش وما هو إلا خلق من خلق الله؟! ويقول أبو عمر ابن عبد البر أيضًا: قد تواتر الحديث بهذا عن جمهور من الصحابة.
وممن كتب في التواتر من السابقين واللاحقين السيوطي في القرن التاسع في كتابه (الأزهار المتناثرة من الأحاديث المتواترة) ، وجدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله في أواسط هذا القرن، وهذا في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) .
إذًا: مشهور ومنتشر بين أهل العلم والحديث خاصة أن سعد بن معاذ رجل عظيم جليل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز لموته عرش الرحمن، وأن أبا لبابة الأنصاري قد خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا كما نزلت الآية فيه.