فهرس الكتاب

الصفحة 2041 من 2442

وفي صحيح مسلم وسنن النسائي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحد بعدك قال: قل: ربي الله ثم استقم، وتلا هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ} [فصلت:30] ثم قال: آمنوا بالله ثم لزموا ذلك وثبتوا عليه وماتوا عليه، وقال: قال ذلك قوم ثم كفروا) .

وصدق ما قاله عليه الصلاة والسلام، فعند الوفاة النبوية ارتد الكثير من المسلمين، وعادوا إلى الكفر والجحود، وظهر بينهم متنبئون كذبة رجال ونساء، فهم من الذين قالوا يومًا: ربي الله ولكنهم لم يستقيموا ويستقروا على ذلك إلى الموت، فكان عملهم ذلك هباءًا منثورًا لا أجر عليه ولا ثواب؛ لأن الخاتمة كانت سيئة وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا تتم الاستقامة إلا بأن يقول المؤمن: ربي الله ويبقى على ذلك إلى لقاء الله.

وقال أبو بكر رضي الله عنه: الاستقامة أن لا تشرك بالله أبدًا.

وقال عمر رضي الله عنه: الاستقامة أن تأمر بالمعروف وتفعله، وأن تنهى عن المنكر وتتركه، وأن لا تروغ روغان الثعلب.

أي: أن لا تتلاعب بدينك، فيومًا يماني ويومًا تميمي، بل ابق مؤمنًا مسلمًا قائمًا بالطاعات مدة حياتك بلا تلاعب إلى لقاء ربك.

وقال عثمان رضي الله عنه: الاستقامة أن تؤمن بالله في سرك وعلنك وتبقى كذلك.

وقال علي رضي الله عنه: الاستقامة القيام بالفرائض، فمن قام بما فرض الله عليه من أقوال وأفعال فهو على خير، ويدخل في عموم هذه الآية الكريمة.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الاستقامة أن تقول لا إله إلا الله بحقها.

وقد ركبنا يومًا في باخرة فيها جماعة من المريدين ومن العبّاد والزهّاد، فكانوا يذكرون الله صباحًا ومساء ويؤذنون ويقيمون ويصلون جماعة، وظلوا على الباخرة البحرية أيامًا يسافرون من خفر إلى خفر، وكان ظاهر قبطان الباخرة أنه ليس بمسلم، بل كان وثنيًا أو نصرانيًا، ثم في وقت اجتماعهم استأذن أن يجلس معهم فأذنوا له، فسأل شيخهم وكبيرهم الذي يظهر أنه مقدّمهم في الكلام والوعظ والإرشاد عن الاستقامة وقال له: ما الاستقامة عندكم معاشر المسلمين؟ فقال له: استقام فعل ماض، ويستقيم فعل مضارع، واستقم فعل أمر، والاستقامة مصدر، والسين والتاء للطلب، وأصل الكلمة أقام يقيم، أي: استقر.

فمد يده إلى جيبه وأخرج ذهبًا وقال له: هذا ثمن تعريفك للفظ الاستقامة، ولو علمت معناها وعرّفتها وقُمت بها لزدناك.

ثم تبين أن ذلك الرجل كان مؤمنًا يكتم إيمانه ويعلم الاستقامة، وقد أراد منه العمل لا القول، وأرد أن يعلم هل هذا القول معه عمل أو لا؟ فامتحنه بالسؤال عن معنى الاستقامة لا عن لفظها، وهو أخذ يجيبه باللفظ نحوًا ولغة وترك معناها الذي فسرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت