قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29] .
خرج موسى سائحًا، أيرجع مصر ومنها فر؟ أيذهب إلى دار مستقلة لم يهيئها الله بعد، كل ما هنالك: قبل أن يذهب أعطاه والد البنتين قطيعًا من الأغنام ليعيش بها، ويجعلها رأس مال للعمل، وذهب في ليلة مظلمة باردة، وأرض مدين وأرض الأردن وفلسطين شديدة البرودة خاصة أيام الشتاء.
(فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) أي الأجل قضى موسى؟ القرآن لم يذكر؛ لأن الموضوع ليس موضوع قصة بتفاصيلها، العبرة أخذت، والحكمة أخذت، وهذه التفاصيل والزوائد لا حاجة إليها، وإن كان النبي - زيادة في العلم - عليه الصلاة والسلام قال: (قضى أكمل الأجل) وأوفى الأجل: عشر سنوات.
قوله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِه) أي: أخرج أهله معه، ومعنى هذا: أن الزوج له الحق أن يذهب بزوجته حيث شاء، لا حق لها في الامتناع، ولا حق لأوليائها أن يمنعوها، فهو قد ترك ختنه وداره، وليس ملزمًا بخدمته إلى الأبد.
قوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) آنس: انتبه واستأنس وشعر (مِنْ جَانِبِ الطُّور) أي: جبل الطور في سيناء أو قرب سيناء، ماذا وجد؟ شعر بنار من بعيد، وكان موسى ضالًا، ضاعت عليه الطريق، وهو لا يعرفها، وكانت امرأته في غاية ما يكون من البرد والقشعريرة، وكان هو كذلك، لكن الرجل يصبر أكثر مما تصبر المرأة؛ فعندما رأى النار شعر بها واستأنس.
(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) أي: أقيموا وانتظروني، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أنا رأيت نارًا من بعيد (لَعَلِّي) يرجو ويطمع (آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: من يدلني على الطريق، ويدلني على أي الدروب سأسلك، أأقيم هنا أو أقيم بعيدًا؟ ضائع! (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّار) جمرة من النار مشتعلة (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وتصطلون: تستدفئون فيذهب ما بكم من برد وقشعريرة، وهذه المرحلة الثالثة والأخيرة، مرحلة الانتقال من بيت ختنه بعد أن تزوج وولد له، فهو الآن يذهب لسعادته ولتحقيق وعد الله لأمه، فرأى هذه النار، وهو في الحقيقة رأى نورًا فاختلط عليه النار بالنور.