فهرس الكتاب

الصفحة 1087 من 2442

تفسير قوله تعالى:(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين)

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9] .

ومعنى ذلك أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كفّر الله عنهم سيئاتهم وجازاهم بأحسن أعمالهم؛ وأدخلهم في عداد الصالحين، فالرسل أولًا فالأنبياء فالصالحون، فهم مع الصحابة في صلاحهم، ومع التابعين في صلاحهم، ومع الأخيار العبّاد في صلاحهم، فهم في طبقة الصالحين الخالدين إذا صدق إسلامهم وبان صدقهم، ومن أسر سريرة ألبسه الله ردائها وأصبح في عداد الصالحين.

وفي طبقات الرجال في كتب التراجم يقولون عن فلان: كان صالحًا، وعن فلان: كان منافقًا، وعن فلان: كان صدّيقًا ومنذ عصر الصحابة، فنحن نقول: المهاجرون الأول والأنصار الأول، ونقول: المنافقون والمرتدّون، ونقول: مانعوا الزكاة، إن كان هذا في العصر النبوي فما بالك بما بعده؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) .

وكون المسلم دخل في طبقة من طبقات الصالحين تلك رتبة عالية، فقد أكثر من تكفير السيئات والمجازاة بالحسنات، كما أن الصادق باستمرار يكتب مع الصادقين والله مع الصادقين، وكذلك الكاذب الذي اعتاد الكذب دومًا واستمرارًا يكتب مع الكاذبين الذين لا يصدقون.

والذي فعله علماء الأمة من السلف الصالح عند تلقيهم وقبولهم للأحكام عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم سجّلوا الرواة من بعد عصر الصحابة، وبينوا الصادق من الكاذب، أما الصحابة فكلهم عدول، فمن ارتد أو نافق خرج من الإسلام، ومن بقي صادقًا في دينه فهو ثقة، والتابعون يطرأ عليهم الصدق والكذب وإن كان يغلب عليهم الصدق، ومن جاء بعدهم لا بد من معرفة الصدق والكذب، وصدق الصادق، وكذب الكاذب.

وطريقة رجال الجرح والتعديل أنهم إذا قبضوا على راو كذبة واحدة لم يؤاخذوه بها فإن زاد كُتب مع الكاذبين وأدخل في سجل الكاذبين، مثل ميزان الاعتدال للذهبي ولسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتب الضعاف في أعلام الجرح والتعديل، ومهما صدق بعد ذلك لا تُقبل له رواية، فيقولون عنه: قد اختلط كذبه بصدقه، وصدقه بكذبه، ولا يستطيعون أن يميزوا ما قاله صدقًا وما قاله كذبًا، فيستغنون عنه وعن كلامه، ويبقى الكذب في سنده باستمرار، ويصبح الحديث موضوعًا لوجود فلان فيه وهو كذّاب.

ولذا قيل: إن راعيًا للأغنام كان يصيح ويقول: الذئب الذئب! فخرج أهله لينقذوه فوجدوه قد كذب عليهم، ثم كررها مرتين أو ثلاثًا، ومرة جاء الذئب حقيقة فصاح بأعلى صوته: الذئب الذئب، فما صدّقه أحد، وإذا بهم يجدونه بعد ذلك قد افترسه الذئب ولم يترك منه شيئًا، فكان ضحية كذبه، فهو على كل حال عبرة للكثير من تلاميذنا وغيرهم.

وقوله سبحانه وتعالى: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9] أكد الفعل المضارع باللام، وبنون التوكيد الثقيلة أنهم سيكونون مع الذين امتحنوا فنجحوا وفازوا وأصبحوا صالحين صادقين مؤمنين حقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت