91 -"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، و لينزلن"
أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم ، يأتيهم لحاجة ، فيقولون: ارجع
إلينا غدا ، فيبيتهم الله ، و يضع العلم ، و يمسخ آخرين قردة و خنازير إلى يوم
القيامة"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 139:
رواه البخاري في"صحيحه"تعليقا فقال ( 4 / 30 ) :
"باب ما جاء فيمن يستحل الخمر و يسميه بغير اسمه . و قال هشام بن عمار:"
حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس
الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك
الأشعري - و الله ما كذبني - سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ..."فذكره ."
و قد وصله الطبراني ( 1 / 167 / 1 ) و البيهقي ( 10 / 221 ) و ابن عساكر
( 19 / 79 / 2 ) و غيرهم من طرق عن هشام بن عمار به .
و له طريق أخرى عن عبد الرحمن بن يزيد ، فقال أبو داود ( 4039 ) :
حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به .
و رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن بشر به .
قلت: و هذا إسناد صحيح و متابعة قوية لهشام بن عمار و صدقة بن خالد ، و لم يقف
على ذلك ابن حزم في"المحلى"، و لا في رسالته في إباحة الملاهي ، فأعل إسناد
البخاري بالانقطاع بينه و بين هشام ، و بغير ذلك من العلل الواهية ، التي بينها@العلماء من بعده و ردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ، مثل المحقق ابن القيم في
"تهذيب السنن" ( 5 / 270 - 272 ) و الحافظ ابن حجر في"الفتح"و غيرهما ،
و قد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ،
يسر الله تبيضه و نشره .
و ابن حزم رحمه الله مع علمه و فضله و عقله ، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع
على الأحاديث و طرقها و رواتها . و من الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث .
و قوله في الإمام الترمذي صاحب السنن:"مجهول"و ذلك مما حمل العلامة محمد
بن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - على أن يقول في ترجمته في"مختصر طبقات"
علماء الحديث" ( ص 401 ) :"
"و هو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث و تضعيفه ، و على أحوال الرواة"
قلت: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبيت من صحته و عدم
شذوذه ، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرد به ، و علم الكلام الذي يخالف
السلف فيه ، فقد قال ابن عبد الهادي بعد أن وصفه"بقوة الذكاء و كثرة"
الاطلاع":"
"و لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد ، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا"
القليل ، كالخالق ، و الحق ، و سائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا ،
كالرحيم و العليم و القدير ، و نحوها ، بل العلم عنده هو القدرة ، و القدرة هي
العلم ، و هما عين الذات ، و لا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجردة أصلا
و هذا عين السفسطة و المكابرة . و قد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق و الفلسفة
، و أمعن في ذلك ، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة".@"
غريب الحديث:
( الحر ) الفرج ، و المراد: الزنا .
( المعازف ) جمع معزفة و هي آلات الملاهي كما في"الفتح".
( علم ) هو الجبل العالي .
( يروح عليهم ) بحذف الفاعل و هو الراعي بقرينة المقام ، إذ السارحة لابد لها
من حافظ .
( بسارحة ) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها ، و تروح أي ترجع بالعشي
إلى مألفها .
( يأتيهم لحاجة ) بيانه في رواية الإسماعيلي في"مستخرجه على الصحيح":
"يأتيهم طالب حاجة".
( فيبيتهم الله ) أي يهلكهم ليلا .
( و يضع العلم ) أي يوقعه عليهم .
فقه الأحاديث:
يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها:
أولا: تحريم الخمر ، و هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين و الحمد لله ، غير أن
طائفة منهم - و فيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة
! و أما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة ، مثل ( السكر ) و هو نقيع التمر إذا
غلى بغير طبخ ، و ( الجعة ) و هو نبيذ الشعير ، و ( السكركة ) و هو خمر الحبشة
من الذرة ، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه ، و أما القليل منه
فحلال ! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم .
و هذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر ، كقول عمر @رضي الله عنه:"نزل تحريم الخمر يوم نزل و هي من خمسة أشياء من العنب و التمر و العسل"
و الحنطة و الشعير . و الخمر ما خامر العقل"و كقوله صلى الله عليه وسلم:"
"كل مسكر خمر ، و كل خمر حرام"و قوله:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".
أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص و غيرها ، فهو مخالف للقياس الصحيح
و النظر الرجيح ، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر
كثيره ، و بين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر ؟ ! و هل حرم
القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر ، فكيف يحلل هذا و يحرم ذاك و العلة
واحدة ؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل
العلم لولا صحة ذلك عنهم ، و أعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه
من أهل القياس و الرأي ! ! قال ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 5 / 263 ) بعد
أن ساق بعض النصوص المذكورة:
"فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في"
اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن و خوطب بها الصحابة مغنية عن @التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس ، مع كثرة النزاع فيه . فإذ قد ثبت تسميتها خمرا
نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا . فهذه طريقة
منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم ، و القياس في الحكم . ثم إن محض
القياس الجلي يقتضي التسوية بينها ، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه ،
و إن لم يسكر ، و هذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه ، و قليله
يدعو إلى كثيره . و هذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة ، فالتفريق بينها
في ذلك تفريق بين المتماثلات و هو باطل ، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس
لكان كافيا في التحريم ، فكيف و فيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في
سندها ، و لا اشتباه في معناها ، بل هي صحيحة . و بالله التوفيق"."
و أيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي ، لأنه لا
يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة ( الكحول ) في
الشراب ، فرب شراب قليل ، كمية الكحول فيه كثيرة و هو يسكر ، و رب شراب أكثر
منه كمية ، الكحول فيه أقل لا يسكر و كما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين
و صحتهم ، كما هو ظاهر بين ، و حكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب
و هي التي تقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"،"و من حام حول الحمى يوشك"
أن يقع فيه"."
و اعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة و القياس الصحيح معا في بعض
المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه ، الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة
عقله و تفكيره و عقيدته لغير معصوم ، مهما كان شأنه في العلم و التقوى و الصلاح
بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب و السنة إن كان أهلا لذلك ، و إلا سأل
المتأهلين لذلك ، و الله تعالى يقول: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .@
و بالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم
فهو مأجور على خطئه ، للحديث المعروف ، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه ، و أما من
وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا ، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم ،
و أعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - و لا شك - على ضلال مبين ، و هو داخل
في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها و لا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه
مثل الطلاء ، و النبيذ ، أو ( الويسكى ) أو ( الكونياك ) و غير ذلك من الأسماء
التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة .
و صدق الله العظيم إذ يقول:( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آبائكم ما أنزل
الله بها من سلطان ).
ثانيا: تحريم آلات العزف و الطرب ، و دلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أ - قوله:"يستحلون"فإنه صريح بأن المذكورات و منها المعازف هي في الشرع
محرمة ، فيستحلها أولئك القوم .
ب - قرن ( المعازف ) مع المقطوع حرمته: الزنا و الخمر ، و لو لم تكن محرمة ما
قرنها معها إن شاء الله تعالى .
و قد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت
معروفة يومئذ ، كالطبل و القنين و هو العود و غيرها ، و لم يأت ما يخالف@ ذلك أو يخصه ، اللهم إلا الدف في النكاح و العيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في
الفقه ، و قد ذكرته في ردي على ابن حزم . و لذلك اتفقت المذاهب الأربعة على
تحريم آلات الطرب كلها ، و استثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في
الحرب ، و ألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية ، و لا وجه لذلك ألبتة
لأمور:
الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم ، بدون مخصص ، سوى مجرد الرأي و الاستحسان ،
و هو باطل .
الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم ،
و أن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم ، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم ، و أربط لقلوبهم
فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم ، و يصرفهم عن ذكر ربهم ، قال تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، و اذكروا الله كثيرا لعلكم
تفلحون ) .
الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار( الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم
الآخر ، و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله ، و لا يدينون دين الحق )فلا يجوز
لنا أن نتشبه بهم ، لا سيما فيما حرمه الله تبارك و تعالى علينا تحريما عاما
كالموسيقى .
و لا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة
من القول بإباحة آلات الطرب و الموسيقى ، فإنهم - و الله - عن تقليد يفتون ،
و لهوى الناس اليوم ينصرون ، و من يقلدون ؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ
فأباح آلات الطرب و الملاهي ، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده ، و قد
عرفت أنه صحيح قطعا ، و أن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق
بيانه ، و ليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة ، مع أنهم@ أفقه منه و أعلم و أكثر عددا و أقوى حجة ؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو
التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل ، و معنى التحقيق العلمي كما لا يخفى
أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب و يدرسوا طرقها و رجالها ، ثم
يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف ، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من
ناحية دلالتها و فقهها و عامها و خاصها ، و ذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم
أصول الحديث و أصول الفقه ، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم و لكانوا
مأجورين ، و لكنهم - و الله - لا يصنعون شيئا من ذلك ، و لكنهم إذا عرضت لهم
مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها ، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى
تحقيق المصلحة زعموا . دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب و السنة ،
و كم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية ، يبرأ
الإسلام منها . فإلى الله المشتكى .
فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك ، و سنة نبيك ، و لا تقل:
قال فلان ، فإن الحق لا يعرف بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف الرجال ، و رحمة الله
على من قال:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول و بين رأي فقيه
كلا و لا جحد الصفات و نفيها حذرا من التمثيل و التشبيه
ثالثا: أن الله عز و جل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية ، فيمسخهم
فيقلب صورهم ، و بالتالي عقولهم إلى بهيمة ..
قال الحافظ في"الفتح" ( 10 / 49 ) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحديث:
"قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة ، و يحتمل أن يكون@ كناية عن تبدل أخلاقهم . قلت: و الأول أليق بالسياق".
أقول: و لا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين .
و الله أعلم .
و قد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة و خنازير لم
يكن مسخا حقيقيا بدنيا ، و إنما كان مسخا خلقيا ! و هذا خلاف ظاهر الآيات
و الأحاديث الواردة فيهم ، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا
الاستبعاد العقلي ، المشعر بضعف الإيمان بالغيب . نسأل الله السلامة .
رابعا: ثم قال الحافظ:
"و في هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه ، و أن"
الحكم يدور مع العلة ، و العلة في تحريم الخمر الإسكار ، فمهما وجد الإسكار ،
وجد التحريم ، و لو لم يستمر الاسم ، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام
إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها ، ردا على من حمله على اللفظ"!"