فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 3700

91 -"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، و لينزلن"

أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم ، يأتيهم لحاجة ، فيقولون: ارجع

إلينا غدا ، فيبيتهم الله ، و يضع العلم ، و يمسخ آخرين قردة و خنازير إلى يوم

القيامة"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 139:

رواه البخاري في"صحيحه"تعليقا فقال ( 4 / 30 ) :

"باب ما جاء فيمن يستحل الخمر و يسميه بغير اسمه . و قال هشام بن عمار:"

حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس

الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك

الأشعري - و الله ما كذبني - سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ..."فذكره ."

و قد وصله الطبراني ( 1 / 167 / 1 ) و البيهقي ( 10 / 221 ) و ابن عساكر

( 19 / 79 / 2 ) و غيرهم من طرق عن هشام بن عمار به .

و له طريق أخرى عن عبد الرحمن بن يزيد ، فقال أبو داود ( 4039 ) :

حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به .

و رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن بشر به .

قلت: و هذا إسناد صحيح و متابعة قوية لهشام بن عمار و صدقة بن خالد ، و لم يقف

على ذلك ابن حزم في"المحلى"، و لا في رسالته في إباحة الملاهي ، فأعل إسناد

البخاري بالانقطاع بينه و بين هشام ، و بغير ذلك من العلل الواهية ، التي بينها@العلماء من بعده و ردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ، مثل المحقق ابن القيم في

"تهذيب السنن" ( 5 / 270 - 272 ) و الحافظ ابن حجر في"الفتح"و غيرهما ،

و قد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ،

يسر الله تبيضه و نشره .

و ابن حزم رحمه الله مع علمه و فضله و عقله ، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع

على الأحاديث و طرقها و رواتها . و من الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث .

و قوله في الإمام الترمذي صاحب السنن:"مجهول"و ذلك مما حمل العلامة محمد

بن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - على أن يقول في ترجمته في"مختصر طبقات"

علماء الحديث" ( ص 401 ) :"

"و هو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث و تضعيفه ، و على أحوال الرواة"

قلت: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبيت من صحته و عدم

شذوذه ، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرد به ، و علم الكلام الذي يخالف

السلف فيه ، فقد قال ابن عبد الهادي بعد أن وصفه"بقوة الذكاء و كثرة"

الاطلاع":"

"و لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد ، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا"

القليل ، كالخالق ، و الحق ، و سائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا ،

كالرحيم و العليم و القدير ، و نحوها ، بل العلم عنده هو القدرة ، و القدرة هي

العلم ، و هما عين الذات ، و لا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجردة أصلا

و هذا عين السفسطة و المكابرة . و قد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق و الفلسفة

، و أمعن في ذلك ، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة".@"

غريب الحديث:

( الحر ) الفرج ، و المراد: الزنا .

( المعازف ) جمع معزفة و هي آلات الملاهي كما في"الفتح".

( علم ) هو الجبل العالي .

( يروح عليهم ) بحذف الفاعل و هو الراعي بقرينة المقام ، إذ السارحة لابد لها

من حافظ .

( بسارحة ) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها ، و تروح أي ترجع بالعشي

إلى مألفها .

( يأتيهم لحاجة ) بيانه في رواية الإسماعيلي في"مستخرجه على الصحيح":

"يأتيهم طالب حاجة".

( فيبيتهم الله ) أي يهلكهم ليلا .

( و يضع العلم ) أي يوقعه عليهم .

فقه الأحاديث:

يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها:

أولا: تحريم الخمر ، و هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين و الحمد لله ، غير أن

طائفة منهم - و فيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة

! و أما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة ، مثل ( السكر ) و هو نقيع التمر إذا

غلى بغير طبخ ، و ( الجعة ) و هو نبيذ الشعير ، و ( السكركة ) و هو خمر الحبشة

من الذرة ، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه ، و أما القليل منه

فحلال ! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم .

و هذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر ، كقول عمر @رضي الله عنه:"نزل تحريم الخمر يوم نزل و هي من خمسة أشياء من العنب و التمر و العسل"

و الحنطة و الشعير . و الخمر ما خامر العقل"و كقوله صلى الله عليه وسلم:"

"كل مسكر خمر ، و كل خمر حرام"و قوله:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".

أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص و غيرها ، فهو مخالف للقياس الصحيح

و النظر الرجيح ، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر

كثيره ، و بين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر ؟ ! و هل حرم

القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر ، فكيف يحلل هذا و يحرم ذاك و العلة

واحدة ؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل

العلم لولا صحة ذلك عنهم ، و أعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه

من أهل القياس و الرأي ! ! قال ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 5 / 263 ) بعد

أن ساق بعض النصوص المذكورة:

"فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في"

اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن و خوطب بها الصحابة مغنية عن @التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس ، مع كثرة النزاع فيه . فإذ قد ثبت تسميتها خمرا

نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا . فهذه طريقة

منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم ، و القياس في الحكم . ثم إن محض

القياس الجلي يقتضي التسوية بينها ، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه ،

و إن لم يسكر ، و هذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه ، و قليله

يدعو إلى كثيره . و هذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة ، فالتفريق بينها

في ذلك تفريق بين المتماثلات و هو باطل ، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس

لكان كافيا في التحريم ، فكيف و فيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في

سندها ، و لا اشتباه في معناها ، بل هي صحيحة . و بالله التوفيق"."

و أيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي ، لأنه لا

يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة ( الكحول ) في

الشراب ، فرب شراب قليل ، كمية الكحول فيه كثيرة و هو يسكر ، و رب شراب أكثر

منه كمية ، الكحول فيه أقل لا يسكر و كما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين

و صحتهم ، كما هو ظاهر بين ، و حكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب

و هي التي تقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"،"و من حام حول الحمى يوشك"

أن يقع فيه"."

و اعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة و القياس الصحيح معا في بعض

المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه ، الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة

عقله و تفكيره و عقيدته لغير معصوم ، مهما كان شأنه في العلم و التقوى و الصلاح

بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب و السنة إن كان أهلا لذلك ، و إلا سأل

المتأهلين لذلك ، و الله تعالى يقول: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .@

و بالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم

فهو مأجور على خطئه ، للحديث المعروف ، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه ، و أما من

وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا ، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم ،

و أعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - و لا شك - على ضلال مبين ، و هو داخل

في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها و لا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه

مثل الطلاء ، و النبيذ ، أو ( الويسكى ) أو ( الكونياك ) و غير ذلك من الأسماء

التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة .

و صدق الله العظيم إذ يقول:( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آبائكم ما أنزل

الله بها من سلطان ).

ثانيا: تحريم آلات العزف و الطرب ، و دلالة الحديث على ذلك من وجوه:

أ - قوله:"يستحلون"فإنه صريح بأن المذكورات و منها المعازف هي في الشرع

محرمة ، فيستحلها أولئك القوم .

ب - قرن ( المعازف ) مع المقطوع حرمته: الزنا و الخمر ، و لو لم تكن محرمة ما

قرنها معها إن شاء الله تعالى .

و قد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت

معروفة يومئذ ، كالطبل و القنين و هو العود و غيرها ، و لم يأت ما يخالف@ ذلك أو يخصه ، اللهم إلا الدف في النكاح و العيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في

الفقه ، و قد ذكرته في ردي على ابن حزم . و لذلك اتفقت المذاهب الأربعة على

تحريم آلات الطرب كلها ، و استثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في

الحرب ، و ألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية ، و لا وجه لذلك ألبتة

لأمور:

الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم ، بدون مخصص ، سوى مجرد الرأي و الاستحسان ،

و هو باطل .

الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم ،

و أن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم ، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم ، و أربط لقلوبهم

فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم ، و يصرفهم عن ذكر ربهم ، قال تعالى:

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، و اذكروا الله كثيرا لعلكم

تفلحون ) .

الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار( الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم

الآخر ، و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله ، و لا يدينون دين الحق )فلا يجوز

لنا أن نتشبه بهم ، لا سيما فيما حرمه الله تبارك و تعالى علينا تحريما عاما

كالموسيقى .

و لا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة

من القول بإباحة آلات الطرب و الموسيقى ، فإنهم - و الله - عن تقليد يفتون ،

و لهوى الناس اليوم ينصرون ، و من يقلدون ؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ

فأباح آلات الطرب و الملاهي ، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده ، و قد

عرفت أنه صحيح قطعا ، و أن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق

بيانه ، و ليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة ، مع أنهم@ أفقه منه و أعلم و أكثر عددا و أقوى حجة ؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو

التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل ، و معنى التحقيق العلمي كما لا يخفى

أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب و يدرسوا طرقها و رجالها ، ثم

يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف ، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من

ناحية دلالتها و فقهها و عامها و خاصها ، و ذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم

أصول الحديث و أصول الفقه ، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم و لكانوا

مأجورين ، و لكنهم - و الله - لا يصنعون شيئا من ذلك ، و لكنهم إذا عرضت لهم

مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها ، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى

تحقيق المصلحة زعموا . دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب و السنة ،

و كم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية ، يبرأ

الإسلام منها . فإلى الله المشتكى .

فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك ، و سنة نبيك ، و لا تقل:

قال فلان ، فإن الحق لا يعرف بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف الرجال ، و رحمة الله

على من قال:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول و بين رأي فقيه

كلا و لا جحد الصفات و نفيها حذرا من التمثيل و التشبيه

ثالثا: أن الله عز و جل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية ، فيمسخهم

فيقلب صورهم ، و بالتالي عقولهم إلى بهيمة ..

قال الحافظ في"الفتح" ( 10 / 49 ) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحديث:

"قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة ، و يحتمل أن يكون@ كناية عن تبدل أخلاقهم . قلت: و الأول أليق بالسياق".

أقول: و لا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين .

و الله أعلم .

و قد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة و خنازير لم

يكن مسخا حقيقيا بدنيا ، و إنما كان مسخا خلقيا ! و هذا خلاف ظاهر الآيات

و الأحاديث الواردة فيهم ، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا

الاستبعاد العقلي ، المشعر بضعف الإيمان بالغيب . نسأل الله السلامة .

رابعا: ثم قال الحافظ:

"و في هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه ، و أن"

الحكم يدور مع العلة ، و العلة في تحريم الخمر الإسكار ، فمهما وجد الإسكار ،

وجد التحريم ، و لو لم يستمر الاسم ، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام

إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها ، ردا على من حمله على اللفظ"!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت