فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 3700

247 -"إذا أسلم العبد ، فحسن إسلامه ، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ، و محيت عنه"

كل سيئة كان أزلفها ، ثم كان بعد ذلك القصاص ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع

مائة ضعف ، و السيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 437:

أخرجه النسائي ( 2 / 267 - 268 ) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال

: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره .

قلت: و هذا سند صحيح ، و قد علقه البخاري في"صحيحه"فقال: قال مالك:

أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات . و قد وصله الحسن بن سفيان و البزار

و الإسماعيلي و الدارقطني في"غرائب مالك"و البيهقي في"الشعب"من طرق

أخرى عن مالك به .

قال حافظ في"الفتح" ( 1 / 82 ) :

"و قد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري و هو كتابة الحسنات"

المتقدمة قبل الإسلام . و قوله"كتب الله"أي أمر أن يكتب ، و للدارقطني من

طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ"يقول الله لملائكته اكتبوا"، فقيل: إن

المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا ، لأنه مشكل على القواعد .

و قال المازري:

الكافر ليس كذلك ، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه ، لأن من شرط

المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه ، و الكافر ليس كذلك .

و تابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال . و استضعف ذلك النووي فقال:

"و الصواب الذي عليه المحققون ، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل"

أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ، ثم أسلم ، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك

يكتب له . و أما دعوى أنه مخالف للقواعد ، فغير مسلم ، لأنه قد يعتد ببعض@ أفعال الكفار في الدنيا ككفارة الظهار ، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم و تجزئه""

انتهى .

ثم قال الحافظ:

و الحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله

و إحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا . و الحديث إنما

تضمن كتابة الثواب ، و لم يتعرض للقبول . و يحتمل أن يكون القبول يصير معلقا

على إسلامه ، فيقبل و يثاب إن أسلم ، و إلا فلا . و هذا قوي . و قد جزم بما

جزم به النووي: إبراهيم الحربي و ابن بطال و غيرهما من القدماء ، و القرطبي

و ابن المنير من المتأخرين .

قال ابن المنير:

المخالف للقواعد ، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره ، و أما أن الله يضيف إلى

حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا ، فلا مانع منه كما

لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل ، و كما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل

و هو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما

عمله غير موفى الشروط . و استدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين

كما دل عليه القرآن و الحديث الصحيح ، و هو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه

شيء من عمله الصالح ، بل يكون هباء منثورا ، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب

له مضافا إلى عمله الثاني ، و بقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن

ابن جدعان و ما كان يصنعه من الخير:

هل ينفعه ؟ فقال: إنه لم يقل يوما ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ، فدل على

أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر"."

قلت: و هذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك ،

و لهذا قال السندي في حاشيته على النسائي:

"و هذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة ، إن أسلم تقبل ، و إلا ترد .@"

و على هذا فنحو قوله تعالى: ( و الذين كفروا أعمالهم كسراب ) محمول على من مات

على الكفر ، و الظاهر أنه لا دليل على خلافه ، و فضل الله أوسع من هذا و أكثر

فلا استبعاد فيه ، و حديث"الإيمان يجب ما قبله"من الخطايا في السيئات لا في

الحسنات"."

قلت: و مثل الآية التي ذكرها السندي رحمه الله سائر الآيات الواردة في إحباط

العمل بالشرك كقوله تعالى:( و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت

ليحبطن عملك ، و لتكونن من الخاسرين )، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا ،

و من الدليل على ذلك قوله عز و جل:( و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر

فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )

و يترتب على ذلك مسألة فقهية و هي أن المسلم إذا حج ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى

الإسلام ، لم يحبط ، حجه و لم يجب عليه إعادته ، و هو مذهب الإمام الشافعي

و أحد قولي الليث بن سعد ، و اختاره ابن حزم و انتصر له بكلام جيد متين ، أرى

أنه لابد من ذكره ، قال رحمه الله تعالى ( 7 / 277 ) :

"مسألة - من حج و اعتمر ، ثم ارتد ، ثم هداه الله تعالى و استنقذه من النار"

فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج و لا العمرة ، و هو قول الشافعي و أحد قولي الليث

و قال أبو حنيفة و مالك و أبو سليمان: يعيد الحج و العمرة ، و احتجوا بقول

الله تعالى: ( لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين ) ، ما نعلم لهم حجة@ غيرها ، و لا حجة لهم فيها ، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت

ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك ، و هذه زيادة على الله لا تجوز ، و إنما

أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه ، لا إذا أسلم ،

و هذا حق بلا شك . و لو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من

ذلك عن الواجب ، و أيضا فإن قوله تعالى فيها: ( و لتكونن من الخاسرين ) بيان

أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلا بل هو مكتوب له

و مجازى عليه بالجنة ، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى

الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين ، فصح أن الذي يحبط

عمله هو الميت على كفره ، مرتدا أو غير مرتد ، و هذا هو من الخاسرين بلا شك ،

لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته ، و قال تعالى:( و من يرتدد

منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم )فصح نص قولنا: من أنه لا

يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت و هو كافر ، و وجدنا الله تعالى يقول:( إني

لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى )، و قال تعالى:( فمن يعمل مثقال ذرة

خيرا يره )، و هذا عموم لا يجوز تخصيصه ، فصح أن حجه و عمرته إذا راجع الإسلام

سيراهما ، و لا يضيعان له .

و روينا من طرق كالشمس عن الزهري و عن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة

بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله عليه السلام: أي رسول

الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم ،

أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت