247 -"إذا أسلم العبد ، فحسن إسلامه ، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ، و محيت عنه"
كل سيئة كان أزلفها ، ثم كان بعد ذلك القصاص ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع
مائة ضعف ، و السيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 437:
أخرجه النسائي ( 2 / 267 - 268 ) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال
: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره .
قلت: و هذا سند صحيح ، و قد علقه البخاري في"صحيحه"فقال: قال مالك:
أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات . و قد وصله الحسن بن سفيان و البزار
و الإسماعيلي و الدارقطني في"غرائب مالك"و البيهقي في"الشعب"من طرق
أخرى عن مالك به .
قال حافظ في"الفتح" ( 1 / 82 ) :
"و قد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري و هو كتابة الحسنات"
المتقدمة قبل الإسلام . و قوله"كتب الله"أي أمر أن يكتب ، و للدارقطني من
طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ"يقول الله لملائكته اكتبوا"، فقيل: إن
المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا ، لأنه مشكل على القواعد .
و قال المازري:
الكافر ليس كذلك ، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه ، لأن من شرط
المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه ، و الكافر ليس كذلك .
و تابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال . و استضعف ذلك النووي فقال:
"و الصواب الذي عليه المحققون ، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل"
أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ، ثم أسلم ، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك
يكتب له . و أما دعوى أنه مخالف للقواعد ، فغير مسلم ، لأنه قد يعتد ببعض@ أفعال الكفار في الدنيا ككفارة الظهار ، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم و تجزئه""
انتهى .
ثم قال الحافظ:
و الحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله
و إحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا . و الحديث إنما
تضمن كتابة الثواب ، و لم يتعرض للقبول . و يحتمل أن يكون القبول يصير معلقا
على إسلامه ، فيقبل و يثاب إن أسلم ، و إلا فلا . و هذا قوي . و قد جزم بما
جزم به النووي: إبراهيم الحربي و ابن بطال و غيرهما من القدماء ، و القرطبي
و ابن المنير من المتأخرين .
قال ابن المنير:
المخالف للقواعد ، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره ، و أما أن الله يضيف إلى
حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا ، فلا مانع منه كما
لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل ، و كما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل
و هو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما
عمله غير موفى الشروط . و استدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين
كما دل عليه القرآن و الحديث الصحيح ، و هو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه
شيء من عمله الصالح ، بل يكون هباء منثورا ، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب
له مضافا إلى عمله الثاني ، و بقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن
ابن جدعان و ما كان يصنعه من الخير:
هل ينفعه ؟ فقال: إنه لم يقل يوما ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ، فدل على
أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر"."
قلت: و هذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك ،
و لهذا قال السندي في حاشيته على النسائي:
"و هذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة ، إن أسلم تقبل ، و إلا ترد .@"
و على هذا فنحو قوله تعالى: ( و الذين كفروا أعمالهم كسراب ) محمول على من مات
على الكفر ، و الظاهر أنه لا دليل على خلافه ، و فضل الله أوسع من هذا و أكثر
فلا استبعاد فيه ، و حديث"الإيمان يجب ما قبله"من الخطايا في السيئات لا في
الحسنات"."
قلت: و مثل الآية التي ذكرها السندي رحمه الله سائر الآيات الواردة في إحباط
العمل بالشرك كقوله تعالى:( و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت
ليحبطن عملك ، و لتكونن من الخاسرين )، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا ،
و من الدليل على ذلك قوله عز و جل:( و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر
فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
و يترتب على ذلك مسألة فقهية و هي أن المسلم إذا حج ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى
الإسلام ، لم يحبط ، حجه و لم يجب عليه إعادته ، و هو مذهب الإمام الشافعي
و أحد قولي الليث بن سعد ، و اختاره ابن حزم و انتصر له بكلام جيد متين ، أرى
أنه لابد من ذكره ، قال رحمه الله تعالى ( 7 / 277 ) :
"مسألة - من حج و اعتمر ، ثم ارتد ، ثم هداه الله تعالى و استنقذه من النار"
فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج و لا العمرة ، و هو قول الشافعي و أحد قولي الليث
و قال أبو حنيفة و مالك و أبو سليمان: يعيد الحج و العمرة ، و احتجوا بقول
الله تعالى: ( لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين ) ، ما نعلم لهم حجة@ غيرها ، و لا حجة لهم فيها ، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت
ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك ، و هذه زيادة على الله لا تجوز ، و إنما
أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه ، لا إذا أسلم ،
و هذا حق بلا شك . و لو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من
ذلك عن الواجب ، و أيضا فإن قوله تعالى فيها: ( و لتكونن من الخاسرين ) بيان
أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلا بل هو مكتوب له
و مجازى عليه بالجنة ، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى
الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين ، فصح أن الذي يحبط
عمله هو الميت على كفره ، مرتدا أو غير مرتد ، و هذا هو من الخاسرين بلا شك ،
لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته ، و قال تعالى:( و من يرتدد
منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم )فصح نص قولنا: من أنه لا
يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت و هو كافر ، و وجدنا الله تعالى يقول:( إني
لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى )، و قال تعالى:( فمن يعمل مثقال ذرة
خيرا يره )، و هذا عموم لا يجوز تخصيصه ، فصح أن حجه و عمرته إذا راجع الإسلام
سيراهما ، و لا يضيعان له .
و روينا من طرق كالشمس عن الزهري و عن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة
بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله عليه السلام: أي رسول
الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم ،
أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:@