87 -"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام و لا صلاة و لا نسك و"
لا صدقة و ليسرى على كتاب الله عز و جل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية و
تبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير و العجوز ، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه
الكلمة:"لا إله إلا الله"فنحن نقولها"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1/127:
أخرجه ابن ماجه ( 4049 ) و الحاكم ( 4 / 473 ) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعا به ، و زاد:
"قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله و هم لا يدرون ما@ صلاة و لا صيام و لا نسك و لا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثا ، كل ذلك"
يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة ! تنجيهم من النار . ثلاثا"."
و قال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم". و وافقه الذهبي .
قلت: و هو كما قالا .
و قال البوصيري في"الزوائد" ( ق 247 / 1 ) :"إسناده صحيح ، رجاله ثقات".
وذكر البوصيري انه رواه مسدد في مسنده من طريق ابي عوانه عن ابي مالك باسناده ومتنه .
قلت: وهذه متابعة قوية من ابي عوانه واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ في التقريب ففيها رد قوي على بعض الفضلاء الذين اعلوا الحديث بابي معاوية مع كونه ثقة حجة واسمه محمد بن خازم وقد احتج به الشيخان ولا عيب فيه سوى ما اشار اليه الحافظ في التقريب: ثقة احفظ الناس لحديث الاعمش وقد يهم في حديث غيره.
فالاصل في مثله تسليك حديثه ما لم يتبين خطؤه فيه فكيف وقد تبين انه قد حفظ بهذه المتابعة القوية وبتصحيح اولئك الحفاظ؟
وتابعهما خلف بن خليفة عن ابي مالك به لكنه اوقفه .
اخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (1/400) وخلف هذا قال في التقريب: صدوق اختلط في الآخر.@ لكن تابعه عند الحاكم (4/505) محمد بن فضيل: ثنا ابو مالك الاشجعي به . وهو في حكم المرفوع . وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وهو كما قال .
( يدرس ) من درس الرسم دروسا: إذا عفا و هلك .
( وشي الثوب ) نقشه .
من فوائد الحديث:
و في هذا الحديث نبأ خطير ، و هو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره ،
و على القرآن فيرفع فلا يبقى منه و لا آية واحدة ، و ذلك لا يكون قطعا إلا بعد
أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها ، و تكون كلمته فيها هي العليا .
كما هو نص قول الله تبارك و تعالى( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق
ليظهره على الدين كله )، و كما شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في
أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات( الأحاديث
الصحيحة ).
و ما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق
الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة ، حتى و لا توحيده !
و في الحديث إشارة إلى عظمة القرآن ، و أن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء
دينهم و رسوخ بنيانه و ما ذلك إلا بتدارسه و تدبره و تفهمه و لذلك تعهد الله
تبارك و تعالى بحفظه ، إلى أن يأذن الله برفعه . فما أبعد ضلال بعض المقلدة
الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة ، و أنه لا ضير على المسلمين
من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك ! ! هذا ما كان صرح لي به أحد كبار المفتين من
الأعاجم و هو يتكلم العربية الفصحى بطلاقة و ذلك لما جرى الحديث بيني و بينه
حول الاجتهاد و التقليد .
قال - ما يردده كثير من الناس -: إن الاجتهاد أغلق بابه منذ القرن الرابع !
فقلت له: و ماذا نفعل بهذه الحوادث الكثيرة التي تتطلب معرفة حكم الله فيها
اليوم ؟
قال: إن هذه الحوادث مهما@ كثرت فستجد الجواب عنها في كتب علمائنا إما عن عينها
أو مثلها .
قلت: فقد اعترفت ببقاء باب الاجتهاد مفتوحا و لا بد !
قال: و كيف ذلك ؟
قلت: لأنك اعترفت أن الجواب قد يكون عن مثلها ، لا عن عينها و إذ الأمر كذلك ،
فلابد من النظر في كون الحادثه في هذا العصر ، هي مثل التي أجابوا عنها ، و حين
ذلك فلا مناص من استعمال النظر و القياس و هو الدليل الرابع من أدلة الشرع ،
و هذا معناه الاجتهاد بعينه لمن هو له أهل ! فكيف تقولون بسد بابه ؟ ! و يذكرني
هذا بحديث آخر جرى بيني و بين أحد المفتين شمال سورية ، سألته: هل تصح الصلاة
في الطائرة ؟ قال: نعم . قلت: هل تقول ذلك تقليدا أم اجتهادا ؟ قال: ماذا
تعني ؟ قلت: لا يخفى أن من أصولكم في الإفتاء ، أنه لا يجوز الإفتاء باجتهاد ،
بل اعتمادا على نص من إمام ، فهل هناك نص بصحة الصلاة في الطائرة ؟ قال: لا ،
قلت: فكيف إذن خالفتم أصلكم هذا فأفتيتم دون نص ؟ قال: قياسا .
قلت: ما هو المقيس عليه ؟ قال: الصلاة في السفينة .
قلت: هذا حسن ، و لكنك خالفت بذلك أصلا و فرعا ، أما الأصل فما سبق ذكره ،
و أما الفرع فقد ذكر الرافعي في شرحه أن المصلي لو صلى في أرجوحة غير معلقة
بالسقف و لا مدعمة بالأرض فصلاته باطلة . قال: لا علم لي بهذا .
قلت: فراجع الرافعي إذن لتعلم أن ( فوق كل ذي علم عليم ) ، فلو أنك تعترف أنك
من أهل القياس و الاجتهاد و أنه يجوز لك ذلك و لو في حدود المذهب فقط ، لكانت
النتيجة أن الصلاة في الطائرة باطلة لأنها هي التي يتحقق فيها ما ذكره الرافعي
من الفرضية الخيالية يومئذ . أما نحن فنرى أن الصلاة في الطائرة صحيحة لا شك في
ذلك ، و لئن كان السبب في صحة الصلاة في السفينة أنها مدعمة بالماء بينها و بين
الأرض ، فالطائرة أيضا مدعمة بالهواء بينها و بين الأرض . و هذا هو الذي بدا
لكم في أول الأمر حين بحثتم استقلالا ، و لكنكم لما علمتم بذلك الفرع المذهبي
صدكم عن القول بما أداكم إليه بحثكم ! ؟@
أعود إلى إتمام الحديث مع المفتي الأعجمي ، قلت له: و إذا كان الأمر كما
تقولون: إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مجتهدين لأن المفتي يجد الجواب عن عين
المسألة أو مثلها ، فهل يترتب ضرر ما لو فرض ذهاب القرآن ؟ قال: هذا لا يقع ،
قلت: إنما أقول: لو فرض ، قال: لا يترتب أي ضرر لو فرض وقوع ذلك !
قلت: فما قيمة امتنان الله عز و جل إذن على عباده بحفظ القرآن حين قال:( إنا
نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون )، إذا كان هذا الحفظ غير ضروري بعد الأئمة
و الحقيقة أن هذا الجواب الذي حصلنا عليه من المفتي بطريق المحاورة ، هو جواب
كل مقلد على وجه الأرض ، و إنما الفرق أن بعضهم لا يجرؤ على التصريح به ، و إن
كان قلبه قد انطوى عليه . نعوذ بالله من الخذلان .
فتأمل أيها القارىء اللبيب مبلغ ضرر ما نشكو منه ، لقد جعلوا القرآن في حكم
المرفوع ، و هو لا يزال بين ظهرانينا و الحمد لله ، فكيف يكون حالهم حين يسرى
عليه في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية ؟ ! فاللهم هداك .
حكم تارك الصلاة:
هذا و في الحديث فائدة فقهية هامة ، و هي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي
قائلها من الخلود في النار يوم القيامة و لو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام
الخمسة الأخرى كالصلاة و غيرها ، و من المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك
الصلاة خاصة ، مع إيمانه بمشروعيتها ، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك ، بل يفسق
و ذهب أحمد إلى أنه يكفر و أنه يقتل ردة ، لا حدا ، و قد صح عن الصحابة أنهم
كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة . رواه الترمذي و الحاكم ،
و أنا أرى أن الصواب رأي الجمهور ، و أن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم
كانوا يريدون بـ ( الكفر ) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار و لا يحتمل أن
يغفره الله له ، كيف ذلك و هذا حذيفة بن اليمان - و هو من كبار أولئك الصحابة -
يرد @على صلة بن زفر و هو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له ، فيقول: ما
تغني عنهم لا إله إلا الله ، و هم لا يدرون ما صلاة ...."فيجيبه حذيفة بعد"
إعراضه عنه:
"يا صلة تنجيهم من النار . ثلاثا".
فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة ، و مثلها بقية الأركان ليس
بكافر ، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة . فاحفظ هذا فإنه قد لا
تجده في غير هذا المكان .
و في الحديث المرفوع ما يشهد له ، و لعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى .
ثم وقفت على"الفتاوى الحديثية" ( 84 / 2 ) للحافظ السخاوي ، فرأيته يقول بعد
أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة و هي مشهورة معروفة:
"و لكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجودها مع كونه ممن"
نشأ بين المسلمين ، لأنه يكون حينئذ كافرا مرتدا بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى
الإسلام قبل منه ، و إلا قتل . و أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلا مع اعتقاد
وجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، و أنه - على
الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري ، كأن يترك الظهر
مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد ،
ثم يقتل إن لم يتب ، و يغسل و يصلى عليه و يدفن في مقابر المسلمين ، مع إجراء
سائر أحكام المسلمين عليه . و يؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض
أحكامه . و هو وجوب العمل ، جمعا بين هذه النصوص و بين ما صح أيضا عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: خمس صلوات كتبهن الله - فذكر الحديث . و فيه:
"إن شاء عذبه ، و إن شاء غفر له"و قال أيضا:"من مات و هو يعلم أن لا إله"
إلا الله دخل الجنة"إلى غير ذلك . و لهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة"
و يورثونه و لو كان كافرا لم يغفر له ، و لم يرث و لم يورث"."
و قد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في"حاشيته على المقنع"،@
( 1 / 95 - 96 ) و ختم البحث بقوله:
"و لأن ذلك إجماع المسلمين ، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي"
الصلاة ، ترك تغسيله و الصلاة عليه ، و لا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي
الصلاة ، و لو كفر لثبتت هذه الأحكام . و أما الأحاديث المتقدمة ، فهي على وجه
التغليظ و التشبيه بالكفار لا على الحقيقة ، كقوله عليه الصلاة و السلام:
"سباب المسلم فسوق ، و قتاله كفر"، و قوله"من حلف بغير الله فقد أشرك"
و غير ذلك . قال الموفق: و هذا أصوب القولين"."
أقول: نقلت هذا النص من"الحاشية"المذكورة ، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة ،
أن الذي ذهبت إليه ، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم ، بل هو مذهب
جمهورهم ، و المحققين من علماء الحنابلة أنفسهم ، كالموفق هذا ، و هو ابن قدامة
المقدسي ، و غيره ، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة ، تحملهم إن شاء الله
تعالى ، على ترك غلوائهم ، و الاعتدال في حكمهم .
بيد أن هنا دقيقة ، قل من رأيته تنبه لها ، أو نبه عليها ، فوجب الكشف عنها
و بيانها .
فأقول: إن التارك للصلاة كسلا إنما يصح الحكم بإسلامه ، ما دام لا يوجد هناك
ما يكشف عن مكنون قلبه ، أو يدل عليه ، و مات على ذلك ، قبل أن يستتاب كما هو
الواقع في هذا الزمان ، أما لو خير بين القتل و التوبة بالرجوع إلى المحافظة
على الصلاة ، فاختار القتل عليها ، فقتل ، فهو في هذه الحالة يموت كافرا ،
و لا يدفن في مقابر المسلمين ، و لا تجري عليه أحكامهم ، خلافا لما سبق عن
السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها ،
هذا أمر مستحيل ، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان ، لا يحتاج إثباته إلى برهان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في"مجموعة الفتاوى" ( 2 / 48 ) :@
"و متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل ، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها و لا"
ملتزما بفعلها ، و هذا كافر باتفاق المسلمين ، كما استفاضت الآثار عن الصحابة
بكفر هذا ، و دلت عليه النصوص الصحيحة .... فمن كان مصرا على تركها حتى يموت ،
لا يسجد لله سجدة قط ، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها ، فإن اعتقاد الوجوب
و اعتقاد أن تاركها يستحق القتل ، هذا داع تام إلى فعلها ، و الداعي مع القدرة
يوجب وجود المقدور ، فإذا كان قادرا و لم يفعل قط ، علم أن الداعي في حقه لم
يوجد"."