فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 3700

66 -"إذا أدرك أحدكم ( أول ) سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته"

و إذا أدرك ( أول ) سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 97:

أخرجه البخاري في"صحيحه" ( 1 / 148 ) : حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا شيبان

عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به ، دون الزيادتين ، و هما عند

النسائي و البيهقي و غيرهما ، فقال النسائي ( 1 / 90 ) : أخبرنا عمرو بن منصور

قال حدثنا الفضل بن دكين به .

و هذا سند صحيح ، فإن عمرا هذا ثقة ثبت كما في"التقريب"و باقي الرجال

معروفون ، و الفضل بن دكين هو أبو نعيم شيخ البخاري فيه و قد توبع هو و الراوي

عنه على الزيادتين .

أما عمرو فتابعه محمد بن الحسين بن أبي الحنين عند البيهقي ( 1 / 368 ) و قال:

"رواه البخاري في"الصحيح"عن أبي نعيم الفضل بن دكين".

و يعني أصل الحديث كما هي عادته ، و إلا فالزيادتان ليستا عند البخاري كما عرفت

و أما أبو نعيم فتابعه حسين بن محمد أبو أحمد المروذي: حدثنا شيبان به .@أخرجه السراج في"مسنده" ( ق 95 / 1 ) . و حسين هذا هو ابن بهرام التميمي ،

و هو ثقة محتج به في"الصحيحين".

و للحديث عن أبي هريرة ستة طرق و قد خرجتها في كتابي:"إرواء الغليل في تخريج"

أحاديث منار السبيل"الذي أنا في صدد تأليفه ، يسر الله إتمامه ثم طبعه ."

انظر ( رقم 250 منه ) .

و إنما آثرت الكلام على هذه الطريق لورود الزيادتين المذكورتين فيها ، فإنهما

تحددان بدقة المعنى المراد من لفظ"الركعة"الوارد في طرق الحديث و هو إدراك

الركوع و السجدة الأولى معا ، فمن لم يدرك السجدة لم يدرك الركعة ، و من لم

يدرك الركعة لم يدرك الصلاة .

من فوائد الحديث:

و من ذلك يتبين أن الحديث يعطينا فوائد هامة:

الأولى: إبطال قول بعض المذاهب أن من طلعت عليه الشمس و هو في الركعة الثانية

من صلاة الفجر بطلت صلاته ! و كذلك قالوا فيمن غربت عليه الشمس و هو في آخر

ركعة من صلاة العصر ! و هذا مذهب ظاهر البطلان لمعارضته لنص الحديث كما صرح

بذلك الإمام النووي و غيره . و لا يجوز معارضة الحديث بأحاديث النهي عن الصلاة

في وقت الشروق و الغروب لأنها عامة و هذا خاص ، و الخاص يقضي على العام كما هو

مقرر في علم الأصول .

و إن من عجائب التعصب للمذهب ضد الحديث أن يستدل البعض به لمذهبه في مسألة ،

و يخالفه في هذه المسألة التي نتكلم فيها ! و أن يستشكله آخر من أجلها !

فإلى الله المشتكى مما جره التعصب على أهله من المخالفات للسنة الصحيحة !

قال الزيلعي في"نصب الراية" ( 1 / 229 ) بعد أن ساق حديث أبي هريرة هذا و غيره مما في معناه:@

"و هذه الأحاديث أيضا مشكلة عند مذهبنا في القول ببطلان صلاة الصبح إذا طلعت"

عليها الشمس ، و المصنف استدل به على أن آخر وقت العصر ما لم تغرب الشمس". !"

فيا أيها المتعصبون ! هل المشكلة مخالفة الحديث الصحيح لمذهبكم ، أم العكس هو

الصواب ! .

الفائدة الثانية: الرد على من يقول: إن الإدراك يحصل بمجرد إدراك أي جزء من

أجزاء الصلاة و لو بتكبيرة الإحرام و هذا خلاف ظاهر للحديث ، و قد حكاه في

"منار السبيل"قولا للشافعي ، و إنما هو وجه في مذهبه كما في"المجموع"

للنووي ( 3 / 63 ) و هو مذهب الحنابلة مع أنهم نقلوا عن الإمام أحمد أنه قال:

لا تدرك الصلاة إلا بركعة . فهو أسعد الناس بالحديث . و الله أعلم .

قال عبد الله بن أحمد في مسائله ( ص 46 ) :

"سألت أبي عن رجل يصلي الغداة ، فلما صلى ركعة قام في الثانية طلعت الشمس"

قال: يتم الصلاة ، هي جائزة . قلت لأبي: فمن زعم أن ذلك لا يجزئه ؟ فقال:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس

فقد أدرك"."

ثم رأيت ابن نجيح البزاز روى في"حديثه" ( ق 111 / 1 ) بسند صحيح عن سعيد

ابن المسيب أنه قال:"إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته".

و لعله يعني آخر سجدة من الركعة الأولى ، فيكون قولا آخر في المسألة .

و الله أعلم .

الفائدة الثالثة: و اعلم أن الحديث إنما هو في المتعمد تأخير الصلاة إلى هذا

الوقت الضيق ، فهو على هذا آثم بالتأخير ، و إن أدرك الصلاة ، لقوله صلى الله عليه وسلم @ تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس ، حتى إذا كانت بين قرني

الشيطان ، قام فنقرها أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا". رواه مسلم"

( 2 / 110 ) و غيره من حديث أنس رضي الله عنه . و أما غير المتعمد ، و ليس هو

إلا النائم و الساهي ، فله حكم آخر ، و هو أنه يصليها متى تذكرها و لو عند طلوع

الشمس و غروبها ، لقوله صلى الله عليه وسلم"من نسي صلاة ( أو نام عنها ) "

فليصلها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك ، فإن الله تعالى يقول:( أقم

الصلاة لذكري )"."

أخرجه مسلم أيضا ( 2 / 142 ) عنه ، و كذا البخاري .

فإذن هنا أمران: الادراك و الإثم:

و الأول: هو الذي سيق الحديث لبيانه ، فلا يتوهمن أحد من سكوته عن الأمر الآخر

أنه لا إثم عليه بالتأخير كلا ، بل هو آثم على كل حال ، أدرك الصلاة ، أو لم

يدرك ، غاية ما فيه أنه اعتبره مدركا للصلاة بإدراك الركعة ، و غير مدرك لها

إذا لم يدركها ، ففي الصورة الأولى صلاته صحيحة مع الإثم ، و في الصورة الأخرى

صلاته غير صحيحة مع الإثم أيضا ، بل هو به أولى و أحرى ، كما لا يخفى على أولي

النهى .

الفائدة الرابعة: و معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"فليتم صلاته"، أي لأنه

أدركها في وقتها ، و صلاها صحيحة ، و بذلك برئت ذمته . و أنه إذا لم يدرك

الركعة فلا يتمها . لأنها ليست صحيحة ، بسبب خروج وقتها ، فليست مبرئة للذمة .

و لا يخفى أن مثله و أولى منه من لم يدرك من صلاته شيئا قبل خروج الوقت ، أنه

لا صلاة له ، و لا هي مبرئة لذمته . أي أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا

يؤمر @إتمام الصلاة ، فالذي لم يدركها إطلاقا أولى أن لا يؤمر بها ، و ليس ذلك

إلا من باب الزجر و الردع له عن إضاعة الصلاة ، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله

كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى ، متعللا بأنه يمكنه أن يقضيها بعد

وقتها ، كلا ، فلا قضاء للمتعمد كما أفاده هذا الحديث الشريف و حديث أنس

السابق:"لا كفارة لها إلا ذلك".

و من ذلك يتبين لكل من أوتي شيئا من العلم و الفقه في الدين أن قول بعض

المتأخرين"و إذا كان النائم و الناسى للصلاة - و هما معذوران - يقضيانها بعد"

خروج وقتها ، كان المتعمد لتركها أولى"، أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس"

على وجه الأرض ، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه ، و هو فاسد بداهة ، إذ كيف

يصح قياس غير المعذور على المعذور و المتعمد على الساهي .

و من لم يجعل الله له كفارة ، على من جعل الله له كفارة ! ! و ما سبب ذلك إلا

من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف ، و قد وفقنا الله تعالى

لبيانه ، و الحمد لله تعالى على توفيقه .

و للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة ، أظن أنه لم

يسبق إلى مثله في الإفادة و التحقيق ، و أرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه

فصلين أحدهما في إبطال هذا القياس . و الآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث

على نقيض ما بينا .

قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر القول المتقدم:

"فجوابه من وجوه: أحدها المعارضة بما هو أصح منه أو مثله ، و هو أن يقال:"

لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور - المطيع لله و رسوله الذي لم يكن

منه تفريط في فعل ما أمر به و قبوله منه - صحته و قبوله من متعد لحدود الله ،

مضيع لأمره ، تارك لحقه عمدا و عدوانا . فقياس هذا على هذا في صحة العبادة ،

و قبولها منه ، و براءة الذمة بها من أفسد القياس"."

الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها ، بل في@نفس وقتها الذي وقته الله له ، فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ و يذكر ، كما

قال صلى الله عليه وسلم:"من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها"رواه البيهقي

و الدارقطني .

فالوقت وقتان: وقت اختيار ، و وقت عذر ، فوقت المعذور بنوم أو سهو ، هو وقت

ذكره و استيقاظه ، فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها ، فكيف يقاس عليه من صلاها

في غير وقتها عمدا و عدوانا ؟ !

الثالث: أن الشريعة قد فرقت في مواردها و مصادرها بين العامد و الناسي ، و بين

المعذور و غيره ، و هذا مما لا خفاء به . فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز .

الرابع: أنا لم نسقطها عن العامد المفرط و نأمر بها المعذور ، حتى يكون ما

ذكرتم حجة علينا ، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى

استدراكها تغليظا عليه ، و جوزنا للمعذور غير المفرط .

( فصل ) :

و أما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وسلم:"من أدرك ركعة من العصر قبل أن"

تغرب الشمس فقد أدرك"فما أصحه من حديث . و ما أراه على مقتضى قولكم ! فإنكم"

تقولون: هو مدرك للعصر ، و لو لم يدرك من وقتها شيئا البتة .

بمعنى أنه مدرك لفعلها صحيحة منه ، مبرئة لذمته ، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها

و تقبل منه ، لم يتعلق إدراكها بركعة ، و معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم

يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقا .

فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها ، فعلم أن هذا الادراك لا يرفع الإثم ، بل هو

مدرك آثم ، فلو كانت تصح بعد الغروب ، لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت ،

أو لا يدرك منها شيئا .

فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثما .

قيل لكم: النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين إدراك الركعة و عدمها في كثرة الإثم و خفته ،@و إنما فرق بينهما في الإدراك و عدمه . و لا ريب أن المفوت

لمجموعها في الوقت أعظم من المفوت لأكثرها ، و المفوت لأكثرها فيه ، أعظم من

المفوت لركعة منها .

فنحن نسألكم و نقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة ؟ أهذا إدراك يرفع الإثم ؟

فهذا لا يقوله أحد ! أو إدراك يقتضي الصحة ، فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية

أو يفوتها إلا ركعة منها"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت