273 -"أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا ، و بيت في وسط"
الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا ، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلق"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 491:
رواه أبو داود في سننه ( 4800 ) : حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر
قال: حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي قال:@ حدثني سليمان بن حبيب المحاربي
عن أبي أمامة مرفوعا .
قلت: و هذا سند رجاله ثقات معروفون غير أيوب بن محمد السعدي ، كذا وقع في
رواية أبي داود ، قال الحافظ في"التهذيب":
"و رواه أبو زرعة الدمشقي و يزيد بن محمد بن عبد الصمد ، و هارون بن أبي جميل"
و أبو حاتم و غيرهم عن أبي الجماهر فقالوا:"أيوب بن موسى". قال ابن عساكر
: و هو الصواب"."
قلت: رواية هارون بن أبي جميل ، أخرجها ابن عساكر في ترجمته من"تاريخ دمشق"
( 17 / 493 / 1 ) لكن وقع في نسختنا منه"حدثنا أبو أيوب بن موسى"فالظاهر
أنه سقط منها"كعب"فإنه أبو كعب أيوب بن موسى .
و في اسمه اختلاف آخر ، فقد رواه الدولابي في"الكنى" ( 2 / 133 ) هكذا:
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوهاب - صعيد - قال: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر
قال: حدثنا أبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب - دون الفقرة الوسطى و ليس
هذا خطأ مطبعيا أو من بعض النساخ ، فإن الدولابي أورده في"باب من كنيته موسى"
"ثم سرد من يكنى بذلك من الرواة فقال"... و أبو موسى كعب السعدي عن سليمان
بن حبيب ، روى عنه محمد بن عثمان أبو الجماهر"."
و على كل حال فالصواب كما قال ابن عساكر"أيوب بن موسى"لاتفاق الجماعة عليه
ثم هو قد أورده الذهبي في"الميزان"فقال:
"روى عنه أبو الجماهر وحده لكنه وثقه".
قلت: و سكت عنه ابن أبي حاتم ( 1 / 1 / 258 ) و قال الحافظ في"التقريب":"صدوق".@
و لا يطمئن القلب لذلك لتفرد أبي الجماهر عنه ، بل هو بوصف الجهالة
أولى كما تقتضيه القواعد الحديثية أن الراوي لا ترتفع عنه الجهالة برواية
الواحد .
لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال . فمنها حديث
ابن عباس و لفظه:
"أنا الزعيم ببيت في رياض الجنة ، و بيت في أعلاها ، و بيت في أسفلها ، لمن"
ترك الجدل و هو محق ، و ترك الكذب و هو لاعب ، و حسن خلقه"."
رواه الطبراني في"المعجم الكبير" ( 3 / 116 / 1 ) من طريق سويد أبي حاتم ،
أنبأنا عبد الملك - رواية عطاء - عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا .
قلت: و هذا سند ضعيف من أجل سويد هذا و هو ابن إبراهيم ، أورده الذهبي في
"الضعفاء"و قال:
"ضعفه النسائي". و قال الحافظ في"التقريب".
"صدوق سيء الحفظ ، له أغلاط ، و قد أفحش ابن حبان فيه القول".
و قال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني ( 8 / 23 ) :
"و فيه أبو حاتم سويد بن إبراهيم ضعفه الجمهور ، و وثقه ابن معين ، و بقية"
رجاله رجال الصحيح"."
قلت: لو قال:"و وثقه ابن معين في رواية"لكان أقرب إلى الصواب فقد قال
أبو داود:"سمعت يحيى بن معين يضعفه".
فابن معين في هذه الرواية يلتقي مع الجمهور ، فهي أولى بالقبول .
و أما قول الهيثمي في مكان آخر ( 1 / 157 ) :
"و إسناده حسن إن شاء الله تعالى".
فتساهل منه لا يخفى ،@ بل إن هذا الحديث ليدل على ضعفه ، فإنه قد خلط في هذا
الحديث و أفسد معناه ، فإن المعروف في حديث غيره توزيع هذه المنازل الثلاث ،
على ثلاثة أشخاص ، و في ذلك أحاديث عن أبي أمامة و أنس بن مالك و قد اتفقا على
أن البيت الذي في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ، على خلاف هذا ، فإنه جعل له البيت
الذي في أسفلها ، هذا إن اعتبرنا الترتيب المذكور فيه من قبيل لف و نشر مرتب .
ثم اختلف الحديثان المشار إليهما في البيتين الآخرين فحديث أبي أمامة جعل البيت
في ربض الجنة لمن ترك المراء و هو محق ، و البيت في وسطها لمن ترك الكذب ،
و عكس ذلك حديث أنس ، فأردنا أن نرجح أحدهما على الآخر بشاهد ، فلم نجد أصلح من
هذا إسنادا ، و قد علمت ما في متنه من الفساد في المعنى .
نعم وجدنا حديثا آخر يصلح شاهدا لحديث أبي أمامة ، و هو ما أخرجه الطبراني في
"المعجم الصغير" ( ص 166 ) و في المعجمين الآخرين من طريق محمد بن الحصين
القصاص ، حدثنا عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن مالك بن عامر
عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ:
"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة ، و بيت في وسط الجنة ، و بيت في أعلى الجنة لمن"
ترك المراء و إن كان محقا ، و ترك الكذب و إن كان مازحا ، و حسن خلقه"."
و قال الطبراني:
"لم يروه عن روح إلا عيسى تفرد به ابن الحصين".
قلت: و لم أجد من ترجمه .
و عيسى بن شعيب و هو النحوي قال الحافظ في"التقريب".
"صدوق له أوهام".
و قال الهيثمي في"المجمع" ( 8 / 23 ) :
"رواه الطبراني في الثلاثة و البزار ، و في إسناد الطبراني محمد بن الحصين@"
و لم أعرفه ، و الظاهر أنه التميمي و هو ثقة ، و بقية رجاله ثقات"."
قلت: و ما استظهره بعيد عندي ، فإن ابن الحصين هذا في طبقة الإمام أحمد ،
و أما التميمي فمن أتباع التابعين ، جعله الحافظ من الطبقة السادسة التي عاصرت
الطبقة الخامسة من صغار التابعين الذين رأوا الواحد و الاثنين من الصحابة ،
بخلاف السادسة فلم يثبت لهم لقاء أحد منهم .
و قوله في التميمي: إنه ثقة . فيه تساهل ، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان ، و هو
معروف بتساهله في التوثيق ، أضف إلى ذلك أن الدارقطني خالفه ، فقال:"مجهول"
و هو الذي اعتمده الحافظ في"التقريب".
و جملة القول أن هذا الإسناد ضعيف ، و لكن ليس شديد الضعف ، فيصلح شاهدا لحديث
أبي أمامة ، فيرتقي به إلى درجة الحسن . و الله أعلم .