للوصل مبرراته، ومسوغاته الشرعية، والله تعالى أعلم.
الأصل ـ كما تقدم ـ في التعامل مع الكافرين المعرضين الهجر والاعتزال .. وهذا الأصل هو حكم عام توجد له حالات خاصة مستثناة يشرع فيها الوصل بقدْر، يحسن ـ تتمة للفائدة ـ بيانها:
منها: إحسان الولد المسلم لأبويه الكافرين، ووصلهما بالمعروف .. على أن لا يُطيعهما في الشرك، أو في شيء فيه معصية الله، كما قال تعالى:؟ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا لقمان:15.
وقال تعالى:؟ وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ العنكبوت:8.
قلت: ومن وصلِهما وبرهما، والإحسان إليهما المواظبة على نصحهما ـ بالتي هي أحسن ـ .. عسى الله تعالى أن يشرح صدرهما للإسلام .. وينقذهما من النار على يديه.
وفي الحديث، عن أسماء بنت أبي بكرٍ الصديق، قالت: قدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال صلى الله عليه وسلم:"نعم صِلي أمَّكِ"متفق عليه. وقولها"وهي راغبة"أي وهي طامعة بما عندي من مال، تريد شيئًا منه .. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تصلها وتعطيها.
ومنها: عندما يستجير المشرك بالمسلمين .. ويطلب منهم الجوار ليسمع
كلام الله ونحو ذلك .. ففي مثل هذه الحالة يحسن أن يُستجار ويوصل بالقدر الذي يحقق الغرض من إجارته، كما قال تعالى: {إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} لتوبة:6.
ومنها: إذا قُدر للمسلم أن يُجاور كافرًا أو مشركًا .. فحينئذٍ ينبغي عليه أن يُحسن التعامل مع جاره، ويصله بالمعروف؛ لأن للجار حقًا وإن كان كافرًا، كما في الحديث عن عبد الله بن عمرو: أنه ذبح شاةً، فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ فإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثُه" [] . أي حتى ظننت أنه سيجعله من الورثة الذين يستحقون أن يرثوا الميت!
ومنها: إن كان الكافر من المؤلفة قلوبهم .. وظهرت عليه القرائن الدالة على ميوله ورغبته في الإسلام .. فيستحسن حينئذٍ وصله والإحسان إليه .. تثبيتًا له على الحق، كما قال تعالى:؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ التوبة:60.
فكان ممن نفلهم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يُعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي!!
فقوله"لأبغض الخلق إلي"يعني أنه كان كافرًا .. ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصله بالعطاء؛ لما رأى في العطاء تأليفًا لقلبه على الإيمان، ودواء لقلبه من أمراضه وآفاته .. !
ومنها: الخلطة التي لا بد منها للداعية إلى الله تعالى .. فيأتي نواديهم
ومجالسهم ليدعوهم إلى الإسلام، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر .. ويصبر على أذاهم في سبيل الله .. فمثل هذا لا حرج فيه إن شاء الله، بل هو من أحسن الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، كما قال تعالى:؟ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فصلت:33. ... لكن يُشترط على من يتصدى لهذه المهمة العظيمة شروط، أهمها: