بِأَنَّهُ الضَّيْعَةُ، وَجَعَلُوا الْبِنَاءَ وَالنَّخْلَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ، وَعِنْدَهُمْ قَوْلٌ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَعَقَارُ الْبَيْتِ: مَتَاعُهُ وَنَضَدُهُ إذَا كَانَ حَسَنًا كَبِيرًا، وَيُقَالُ: فِي الْبَيْتِ عَقَارٌ حَسَنٌ أَيْ: مَتَاعٌ وَأَدَاةٌ.
ب - (الْأَرْضُ) : 3 - الْأَرْضُ مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا أَرَاضٍ وَأَرْضُونَ.
ج - الدَّارُ: 4 - الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَحَلَّةِ، وَاللَّفْظُ مُؤَنَّثٌ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هِيَ مِنْ دَارَ يَدُورُ لِكَثْرَةِ حَرَكَاتِ النَّاسِ فِيهَا وَالْجَمْعُ أَدْوُرٌ وَأَدْؤُرٌ، وَالْكَثِيرُ دِيَارٌ وَدُورٌ. مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّبَاعِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - رِبَاعُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ: 5 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ وَإِجَارَةِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ، لقوله تعالى: وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ *، وَلِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا مَكَّةُ حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ، لَا تَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا، وَلَا إجَارَةُ بُيُوتِهَا *، وَلِحَدِيثِ مَكَّةُ مُنَاخٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا *، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ فِي رِبَاعَ مَكَّةَ لَمْ يَاثَمْ بِدَفْعِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى لِجَوَازِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَكِرَاءِ دُورِهَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ * فَنَسَبَ الدِّيَارَ إلَى الْمَالِكِينَ، وَبِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِك بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ *، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ، وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ رضي الله عنهما شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ * فَنَسَبَ الدِّيَارَ إلَى مَالِكِيهَا، وَبِاشْتِرَاءِ عُمَرَ رضي الله عنه دَارَ الْحَجَّامِينَ وَإِسْكَانِهَا. وَالْمَالِكِيَّةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى: الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَلُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْقُضَاةِ بِمَكَّةَ. وَالثَّالِثَةُ: الْكَرَاهَةُ، فَإِنْ قَصَدَ بِالْكِرَاءِ الْآلَاتِ وَالْأَخْشَابَ جَازَ، وَإِنْ قَصَدَ الْبُقْعَةَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. وَالرَّابِعَةُ: تَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالْمَوْسِمِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى الْوَقْفِ.
قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* (9) سورة الحشر
قال الإمام القرطبي رحمه الله:
الآية: 9 والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون*
قوله تعالى:"والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم"لا خلاف أن الذين تبوؤوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها."والإيمان"نصب بفعل غير تبوأ؛ لأن التبوء إنما يكون في الأماكن. و"من قبلهم""من"صلة تبوأ والمعنى: والذين تبوؤوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه؛ لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ؛ كقوله تعالى:"فأجمعوا أمركم وشركاءكم" [يونس: 71] أي وادعوا شركاءكم؛ ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما. ويكون من باب قوله: علفتها تبنا وماء باردا. ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: تبوؤوا الدار ومواضع الإيمان. ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ؛ كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوأ الإيمان عل طريق المثل؛ كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم. والتبوء: التمكن والاستقرار. وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم.
واختلف أيضا هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة؛ فتأول قوم أنها معطوفة على قوله:""للفقراء المهاجرين"وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا"