الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ أَيْنَمَا كَانَ وَحَيْثُ وُجِدَ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ * وَلَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (قَتْلُ عَمْدٍ) . أَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَأَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ تَبَعًا لَهُ أَمَّا مَالُهُ فَمَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ مَنْقُولٍ فَهُوَ لَهُ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بِيَدِ مُسْلِمٍ وَدِيعَةً، أَوْ بِيَدِ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ فَكَانَ مَعْصُومًا. أَمَّا الْعَقَارُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَجَازَ اغْتِنَامُهَا. 14 - ب - وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ خَرَجَ إلَيْهَا، وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَارُوا مُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَجُزْ سَبْيُهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَقَالُوا: إنَّهُمْ أَوْلَادُ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَّبِعُوهُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ كَانُوا مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُسْلِمٍ فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَاجَرَ إلَيْنَا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، فَأَمْوَالُهُ فَيْءٌ، إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَدِيعَةً. وَإِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَجَمِيعُ أَمْوَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيْءٌ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارِ يَمْنَعُ التَّبَعِيَّةَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مَالًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا.
التِّجَارَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
15 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَحْمِلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْحَرْبِ، كَالسِّلَاحِ بِأَنْوَاعِهِ، وَالسُّرُوجِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، وَكُلِّ مَا مِنْ شَانِهِ تَقْوِيَتُهُمْ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إمْدَادَهُمْ وَإِعَانَتَهُمْ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلَاحًا، وَإِذَا اشْتَرَى لَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. أَمَّا الِاتِّجَارُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُسْتَخْدَمُ فِي الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا بَاسَ بِهِ، كَالثِّيَابِ، وَالطَّعَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِانْعِدَامِ عِلَّةِ الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ. إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى السِّلْعَةِ فَلَا يُحْمَلُ إلَيْهِمْ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التُّجَّارِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ لِلتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَلَا إنْكَارَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيَدْعُونَهُمْ إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْكَفُّ وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الدُّخُولِ فِي دَارِهِمْ مِنْ بَابِ صِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ الْهَوَانِ، وَالدِّينِ عَنْ الزَّوَالِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ الْمُتَاجَرَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى بِلَادِهِمْ حَيْثُ تَجْرِي أَحْكَامُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ.
أَثَرُ اخْتِلَافِ الدَّارِ فِي أَحْكَامِ الْأُسْرَةِ وَالتَّوَارُثِ:
16 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْآخَرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوَارُثِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الدَّارِ. (ر: اخْتِلَافُ الدَّارِ) .
1 -مِنْ مَعَانِي الْعَهْدِ فِي اللُّغَةِ: الْأَمَانُ، وَالذِّمَّةُ، وَالْيَمِينُ، وَالْحِفَاظُ، وَرِعَايَةُ الْحُرْمَةِ، وَكُلُّ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنْ الْمَوَاثِيقِ فَهُوَ عَهْدٌ. وَدَارُ الْعَهْدِ هِيَ: كُلُّ بَلَدٍ صَالَحَ الْإِمَامُ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَرْضُ لَهُمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجُ عَنْهَا. وَتُسَمَّى دَارَ الْمُوَادَعَةِ، وَدَارَ الصُّلْحِ، وَدَارَ الْمُعَاهَدَةِ.
(الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) :
أ - دَارُ الْحَرْبِ:
2 -دَارُ الْحَرْبِ هِيَ كُلُّ بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ كُلُّ مَكَان يَسْكُنُهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَسْبِقْ فِيهِ حُكْمٌ إسْلَامِيٌّ، أَوْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ قَطُّ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ. فَدَارُ الْعَهْدِ أَخَصُّ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِوُجُودِ الْمَوَاثِيقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَلِذَا اخْتَصَّتْ عَنْ دَارِ الْحَرْبِ بِأَحْكَامٍ سَيَاتِي بَيَانُهَا.
ب - دَارُ الْإِسْلَامِ:
3 -دَارُ الْإِسْلَامِ هِيَ كُلُّ بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ تَظْهَرُ فِيهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ.
ج - دَارُ الْبَغْيِ:
4 -دَارُ الْبَغْيِ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْحَازُ إلَيْهِ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِتَاوِيلٍ، وَغَلَبُوا عَلَيْهِ.
الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَارِ الْعَهْدِ: