فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 436

وَقُرَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إقَامَةُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَإِظْهَارُهَا فِيهَا كَالْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَالْأَذَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ تَرَكَ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ إقَامَةَ هَذِهِ الشَّعَائِرِ أَوْ إظْهَارَهَا قُوتِلُوا وَإِنْ أَقَامُوهَا سِرًّا. وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ أَمَانٍ فِي مُسْلِمٍ. وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إحْدَاثُ دُورِ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ: كَالْكَنَائِسِ، وَالصَّوَامِعِ، وَبَيْتِ النَّارِ، عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَاتِي.

تَحَوُّلُ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ كُفْرٍ:

6 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَوُّلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارٍ لِلْكُفْرِ. فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَا تَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، وَأَجْلَوْا الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَأَظْهَرُوا فِيهَا أَحْكَامَهُمْ. لِخَبَرِ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ * وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ) : تَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرِ إلَّا بِثَلَاثِ شَرَائِطَ:

1 -ظُهُورُ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا.

2 -أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْكُفْرِ.

3 -أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ، وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَمَانُ الْمُسْلِمِينَ.

وَوَجْهُ قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَمَنْ مَعَهُمَا أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَارَ الْكُفْرِ: أُضِيفَتَا إلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى الْكُفْرِ لِظُهُورِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ فِيهِمَا، كَمَا تُسَمَّى الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ، وَالنَّارُ دَارَ الْبَوَارِ، لِوُجُودِ السَّلَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَوَارِ فِي النَّارِ، وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ أَحْكَامِهِمَا، فَإِذَا ظَهَرَتْ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِي دَارٍ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ، فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ، وَلِهَذَا صَارَتْ الدَّارُ دَارَ إسْلَامٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرِيطَةٍ أُخْرَى، فَكَذَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا.

وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إضَافَةِ الدَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ لَيْسَ هُوَ عَيْنُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ: الْأَمْنُ، وَالْخَوْفُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْأَمْنَ إنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْخَوْفَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ فِيهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْخَوْفُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ، فَالْأَحْكَامُ عِنْدَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخَوْفِ، لَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ أَوْلَى. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي (دَارُ الْحَرْبِ) .

دُخُولُ الْحَرْبِيِّ دَارَ الْإِسْلَامِ:

7 -لَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنْ اسْتَاذَنَ فِي دُخُولِهَا فَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ، كَإِبْلَاغِ رِسَالَةٍ، أَوْ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَمْلِ مِيرَةٍ أَوْ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ، جَازَ الْإِذْنُ لَهُ بِدُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا الْحَرَمَ، وَلَا يُقِيمُ فِي الْحِجَازِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَفِي غَيْرِ الْحِجَازِ يُقِيمُ قَدْرَ الْحَاجَةِ. أَمَّا الْحَرَمُ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُ كَافِرٍ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا *. وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ: (أَرْضُ الْعَرَبِ، حَرَمٌ) .

مَالُ الْمُسْتَامَنِ وَأَهْلُهُ:

8 -إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ مِنْ الْإِمَامِ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ، وَزَوْجَةٍ، وَأَوْلَادٍ صِغَارٍ فِي أَمَانٍ، أَمَّا مَا خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ، إلَّا بِالشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْأَمَانِ. وَإِنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَقِيَ الْأَمَانُ لِمَا تَرَكَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِتَحْصِيلِ مَا تَرَكَهُ مِنْ دَيْنٍ الْوَدِيعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَتَرِكَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عُشْرَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَاذَنَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ.

اسْتِيطَانُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ دَارَ الْإِسْلَامِ:

9 -قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَى قِسْمَيْنِ: جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا: فَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ لَا يُمَكَّنُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنْ الِاسْتِيطَانِ فِيهَا، وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ *. وَخَبَرِ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ *. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ حَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْمُرَادُ بِالْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْحِجَازُ، فَتَجُوزُ إقَامَتُهُمْ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت