يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ * الْآيَةَ، وَمَا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ مِنْ مُبَايَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُنَّ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ * وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَرْحَمُ بِنَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُرْفِقُنَا وَيَرْضَى مِنَّا بِمَا بَذَلْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا إكْرَامًا مِنْهُ (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ * قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ مَعْنَاهُ بِوَلَدٍ تَنْسُبُهُ إلَى الزَّوْجِ يُقَالُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَقِطُ الْوَلِيدَ فَتَتَبَنَّاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ * يُرِيدُ لَا أُبَاشِرُ أَيْدِيَهُنَّ بِيَدِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الِاجْتِنَابَ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ مُبَايَعَةِ الرِّجَالِ الْمُصَافَحَةَ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي مُبَايَعَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْمُبَايَعَةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ مُبَايَعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمُكَاتَبَةِ دُونَ الْمُصَافَحَةِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ * يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الْمُعَاقَدَةِ وَإِلْزَامِ ذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ بسم الله الرحمن الرحيم أَمَّا بَعْدُ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَلَامٌ عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَأُقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْت) . (ش) : قَوْلُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ بسم الله الرحمن الرحيم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْكُتُبِ بِالتَّسْمِيَةِ. وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ * وَكَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى هِرَقْلَ بسم الله الرحمن الرحيم السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ * الْحَدِيثَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَمَّا بَعْدُ أَيْضًا كَانَ مِمَّا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْخِطَابُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي قوله تعالى وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ * وَقَوْلُهُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْإِعْلَامِ بِحَالِهِ، وَإِنَّمَا حَالُ حَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَشُكْرٍ لِنِعَمِهِ وَقَوْلُهُ وَأُقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَلْتَزِمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لَك عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِسُرْعَةٍ عَلَى حَسْبِ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ فَبِأَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا لِمَنْ بَايَعَ طَائِعًا وَأَمَّا مَنْ بَايَعَ مُكْرَهًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه وَهَذَا عِنْدِي فِيمَا يَلْزَمُ مُبَايَعَتُهُ فَتَلْزَمُ الْمُبَايِعَ طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، قَالَ أَصْبَغُ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بَايَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنهما وَهُوَ كَارِهٌ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَرِهَ وَجْهَ الْمُبَايَعَةِ وَلَمْ يَكْرَهْ الْمُبَايَعَةَ.
وَمِنْ هَذِهِ الِالْتِزَامَاتِ الَّتِي لَمْ يُلْزِمْ بِهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ لِمَنْ حَلَفَ بِهَا الْأَيْمَانَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْفَاجِرُ الظَّالِمُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَهِيَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ وَكَانَتْ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُصَافَحَةِ، وَبَيْعَةُ النِّسَاءِ بِالْكَلَامِ، وَمَا مَسَّتْ يَدُهُ الْكَرِيمَةُ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا، فَيَقُولُ لِمَنْ يُبَايِعُهُ: بَايَعْتُك، أَوْ أُبَايِعُك، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ *، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَيَقُولُ: فِيمَا اسْتَطَعْت * وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ *.
[كَيْفَ كَانَتْ بَيْعَةُ النَّبِيِّ لِلنَّاسِ؟] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا تَاخُذُنَا فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ *. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا أَصْلَحَك اللَّهُ بِحَدِيثٍ نَنْتَفِعُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه