ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا* أي لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه، وقوله: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء* أي هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عدواتهم وبغضهم لكم ولهذا قال: فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا* أي تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس، وقال السدي: أظهروا كفرهم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا* أي لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك، ثم استثنى الله من هؤلاء، فقال: إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق* أي إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير، وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه، ما تريد؟» قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال: «اذهب معه فافعل ما يريد» فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسملوا معهم، فأنزل الله ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء*.
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق* فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام، وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعهدهم، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم* الاَية.
وقوله: أو جاؤوكم حصرت صدروهم* الاَية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم وهم الذين يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم أي ضيقة صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم* أي من لطفه بكم أن كفهم عنكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم* أي المسالمة فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا* أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره، وقوله: ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم* الاَية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهمم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن تعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم* الاَية، وقال ههنا كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها* أي انهمكوا فيها، وقال السدي: الفتنة ـ ههنا ـ الشرك، وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ولهذا قال تعالى: فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم* المهادنة والصلح، ويكفوا أيديهم* أي عن القتال، فخذوهم* أسراء، واقتلوهم حيث ثقفتموهم* أي أين لقيتموهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا* أي بينًا واضحًا.
وقد وردت في شأن هؤلاء المنافقين روايات، أهمها روايتان: