ثم قال (وَالْهِجْرَةُ) والهجرة في النصوص قسمان:
¨ هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
¨ والثاني هجرة مما سوى الله جل وعلا إلى الله جل وعلا وحده
والأول: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام كهجرة الصحابة من مكة إلى الحبشة، وكهجرة الصحابة أيضا من مكة إلى المدينة، وقد يعرض هذا في أنه يكون هناك هجرة من دار كفر قد
تظهر بعد زمن النبوة أو قد ظهرت بعد زمن النبوة إلى دار يعلو فيها الإسلام، وأما قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» ، فالمقصود منه لا هجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأنه بعد الفتح فمن كان في مكة بعد الفتح فقد أصبحت مكة دار إسلام، فمن كان فيها بعد الفتح فإنه يمكث فيها ولا يلزمه الهجرة إلى المدينة؛ بل يبقى فيها، ولا تزال مكة دار إسلام إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها حرسها الله وبلاد المسلمين.
وهذه الهجرة لها أحكام ولها شروط، وتفصيلها في مواضعه من كتب العلماء في العقيدة أو في التوحيد والفقه ولا نطيل في بيانها في هذا الموطن؛ لكن ننبه إلى أن الهجرة هذه من دار الكفر إلى دار الإسلام هي بشروطها، هي واجبة بشروطها.
وقد يكون ثم هجرة واجبة أخرى أيضا وهي من دار بدعة إلى دار سنة، أو من دار لا يستطيع فيها إظهار الدين إلى دار يستطيع فيها إظهار الدين؛ إلى دار يستطيع فيها أن يظهر دينه، وهذه تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، ولها تفاصيل.
كذلك إذا كان لا يستطيع البقاء في دار بدعة أو تظهر فيها البدع لأجل ما ينوب نفسه من الحزن أو من الضيق على ظهور البدع ولكنه يستطيع أن يظهر دينه وأن يعلي أمر السنة؛ لكن يريد بلادا يأمن فيها أكثر ولا يعرض فيها دينه للفتن، فهذا يكون حكم الهجرة في هذا الحال مستحبة؛ لأنه يستطيع أن يظهر دينه والبلد أو الدار ليست دار كفر، وإنما هي دار فيها السنة وفيها البدع.
وثَم تفاصيل أخر تطلب من مظانه.
القسم الثاني: الهجرة مما سوى الله جل وعلا إلى الله جل جلاله؟ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ؟ [الذاريات:50] ، بأن يهجر كل ما يُشغِل عن الله جل وعلا ويتجه ويهاجر إلى الله جل وعلا، ولهذا جاء في الحديث «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وهذا يعمّ أشياء كثيرة تدل على أنَّ حقيقة الهجرة هجرة ما لا يحب الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، وهذه يختلف فيها الناس وتختلف مقاماتهم في ذلك بحسب عِظم محبتهم لله جل وعلا ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذه الهجرة مما سوى الله جل وعلا إلى الله جل وعلا وحده تكون في الاعتقادات، وفي عمل القلب، وفي كلام اللسان، وفي استعمال الحواس والجوارح، والأمر فيها عصيب، والفتن بعمومها إنما يبتلى الناس فيها في هذا المقام العظيم؛ هل هاجروا مما نهى الله جل وعلا عنه إلى ما أمر الله جل وعلا به، أم أنهم قصروا في ذلك؟ والتقصير يكون سببه ضعف المحبة وضعف الإيمان، ويكون أصحابه ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
وفي أدب الدنيا والدين:
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيمَا كُلِّفَ مِنْ عِبَادَاتِهِ ثَلَاثَ أَحْوَالٍ: إحْدَاهَا أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فِيهَا وَلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا. فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى: فَهِيَ أَنْ يَاتِيَ بِهَا عَلَى حَالِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَلَا زِيَادَةِ تَطَوُّعٍ عَلَى رَاتِبَتِهَا. فَهِيَ أَوْسَطُ الْأَحْوَالِ وَأَعْدَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَيُذَمُّ، وَلَا تَكْثِيرٌ فَيَعْجَزُ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَيَسُرُّوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ *. وَقَالَ الشَّاعِرُ: عَلَيْك بِأَوْسَاطِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا نَجَاةٌ وَلَا تَرْكَبْ ذَلُولًا وَلَا صَعْبًا وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا. فَلَا يَخْلُو حَالَ تَقْصِيرِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: إحْدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَعْجَزَهُ عَنْهُ، أَوْ مَرَضٍ أَضْعَفَهُ عَنْ أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ. فَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْمُقَصِّرِينَ، وَيَلْحَقُ بِأَحْوَالِ الْعَامِلِينَ، لِاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ عَلَى سُقُوطِ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعَجْزِ. وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ عَامِلٍ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلًا فَيَقْطَعُهُ عَنْهُ مَرَضٌ إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ ثَوَابَ عَمَلِهِ. * وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اغْتِرَارًا بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ، وَرَجَاءَ الْعَفْوِ عَنْهُ. فَهَذَا مَخْدُوعُ الْعَقْلِ مَغْرُورٌ بِالْجَهْلِ، فَقَدْ جَعَلَ الظَّنَّ ذُخْرًا وَالرَّجَاءَ عُدَّةٌ. فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ سَفَرًا بِغَيْرِ زَادٍ ظَنًّا بِأَنَّهُ سَيَجِدُهُ فِي الْمَفَاوِزِ الْجَدْبَةِ فَيُفْضِي بِهِ الظَّنُّ إلَى الْهَلَكَةِ، وَهَلَّا كَانَ الْحَذَرُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ. وَحُكِيَ أَنَّ إسْرَائِيلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي قَالَ: لَقِيَنِي مَجْنُونٌ كَانَ فِي الْخَرَابَاتِ فَقَالَ: يَا إسْرَائِيلُ خَفْ اللَّهَ خَوْفًا يَشْغَلُك عَنْ الرَّجَاءِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَشْغَلُك عَنْ الْخَوْفِ، وَفِرَّ إلَى اللَّهِ وَلَا