وهذه الانتكاسات الحيوانية الجاهلية في حياة البشرية لن يكتب لها البقاء. .
وسيكون ما يريده الله حتمًا. .
وستحاول البشرية ذات يوم أن تقيم تجمعاتها على القاعدة التي كرم الله الإنسان بها. والتي تجمع عليها المجتمع المسلم الأول فكان له تفرده التاريخي الفائق. وستبقى صورة هذا المجتمع تلوح على الأفق، تتطلع إليها البشرية وهي تحاول مرة أخرى أن ترقى في الطريق الصاعد إلى ذلك المرتقى السامي الذي بلغت إليه في يوم من الأيام. .
قوله تعالى: إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * قَالَ قَتَادَةُ:"هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْوَلِيِّ"وَقَالَ مُجَاهِدٌ:"عَلَى الْمَقْتُولِ". وَقِيلَ:"هُوَ مَنْصُورٌ إمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَنَصْرُهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ أَعْنِي لِلْوَلِيِّ". وَقِيلَ:"نَصْرُهُ أَمْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعِينُوهُ". وقوله تعالى فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا * قَدْ اقْتَضَى إثْبَاتَ الْقِصَاصِ لِلنِّسَاءٍ لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُنَا هُوَ الْوَارِثُ كَمَا قَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَقَالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا * إلَى قَوْلِهِ: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَقَالَ: وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا * فَنَفَى بِذَلِكَ إثْبَاتَ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ إلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ * فَأَثْبَتَ الْمِيرَاثَ بِأَنْ جَعَلَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، وَقَالَ: وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * فَأَثْبَتَ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمْ بِذِكْرِ الْوِلَايَةِ. فَلَمَّا قَالَ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا * اقْتَضَى ذَلِكَ إثْبَاتَ الْقَوَدِ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّمَ مَوْرُوثٌ عَنْ الْمَقْتُولِ أَنَّ الدِّيَةَ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنْ الْقِصَاصِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ النِّسَاءُ قَدْ وَرِثْنَ الْقِصَاصَ لَمَا وَرِثْنَ بَدَلَهُ الَّذِي هُوَ الْمَالُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَرِثَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْضِ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ وَلَا يَرِثُ مِنْ الْبَعْضِ الْآخَرُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ:"إنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ إلَيْهِنَّ مِنْ الْقِصَاصِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا الْقِصَاصُ لِلرِّجَالِ فَإِذَا تَحَوَّلَ مَالًا وَرِثَتْ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ"وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ:"لَيْسَ إلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ مِنْ الْعَفْوِ وَالدَّمِ"، وَمِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا:"إنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ لِكُلِّ وَارِثٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ".
وفي الفصول في الأصول:
بَابٌ آخَرُ فِي النَّسْخِ رُوِيَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْحَلِفِ وَبِالْهِجْرَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَأَنَّ الرَّحِمَ (بَعْدَ) قوله تعالى وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ * وَقَالَ تَعَالَى الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * وَقَالَ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا *. فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ *. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ نَسْخًا، وَيَقُولُ: إنَّمَا حَدَثَ وَارِثٌ أَوْلَى مِنْ وَارِثٍ قَالَ: فَأَمَّا الْمِيرَاثُ بِالْحَلِفِ وَالْمُعَاقَدَةِ فَقَائِمٌ لَمْ يُنْسَخْ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ اسْتَحَقَّ (الْحَلِيفُ) الْمِيرَاثَ، إذَا كَانَ عَاقَدَهُ وَوَالَاهُ عَلَى (أَنَّهُ) يَرِثُهُ إذَا مَاتَ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ هَمْدَانَ مَا أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ وَلَا يَتْرُكُ وَارِثًا مِنْكُمْ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلْيَضَعْ أَحَدُكُمْ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ) . وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِمَا وَصَفْنَا: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، كَمَا أَنَّ الْأَخَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ وَلَا يَرِثُ مَعَ الِابْنِ، وَلَا يَكُونُ مِيرَاثُهُ مَنْسُوخًا عِنْدَ وُجُودِ الِابْنِ، كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ (ذِي رَحِمٍ) أَوْ وَلَاءٍ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ مِيرَاثَهُ حَيْثُ شَاءَ، بِحُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا إيجَابُ التَّوَارُثِ بِالْمُعَاقَدَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ فِي ذَلِكَ: وُجُوبُ الْإِرْثِ بِالْمُعَاقَدَةِ مَنْسُوخٌ لَا مَحَالَةَ فِي حَالِ وُجُودِ ذِي الرَّحِمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ أَوْجَبَهُ لِلْحَلِيفِ مَعَ وُجُودِ ذِي الرَّحِمِ، وَمَعَ عَدَمِهِمْ، وَجَعَلَهُ أَوْلَى مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ *. فَقَدْ صَرَفَ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَا كَانَ جَعَلَهُ لَهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي رَحِمِ الْمَيِّتِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ نَسْخَ مِيرَاثِ الْحَلِيفِ وَالْمُعَاقِدِ، فِي حَالِ وُجُودِ ذَوِي الرَّحِمِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذُو رَحِمٍ: فَحُكْمُ الْإِرْثِ