قائلين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا* أي بغضًا وحسدًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم* وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الاَية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم*.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ثم قرأت هذه الاَية والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان* الاَية. وقال إسماعيل بن علية عن عبد الملك بن عمير عن مسروق عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم. سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها» رواه البغوي، وقال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن الزهري قال: قال عمر رضي الله عنه وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب* قال الزهري: قال عمر رضي الله عنه: هذه لرسول لله صلى الله عليه وسلم خاصة وقرى عربية فدك وكذا مما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ـ وللفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم ـ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ـ والذين جاؤوا من بعدهم فاستوعبت هذه الاَية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق. قال أيوب ـ أو قال حظّ ـ إلا بعض من تملكون من أرقائكم. كذا رواه أبو داود وفيه انقطاع.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور عن معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب إنما الصدقات للفقراء والمساكين ـ حتى بلغ ـ عليم حكيم* ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى* الاَية. ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ـ حتى بلغ ـ للفقراء ـ والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم ـ والذين جاءوا من بعدهم* ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه.
والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. .
وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار. هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاما طائرة ورؤى مجنحة ومثلا عليا قد صاغها خيال محلق. .
والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم. . أي دار الهجرة. يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين. كما تبوأوا فيها الإيمان. وكأنه منزل لهم ودار. وهو تعبير ذو ظلال. وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان. لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.
(يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) . . ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثا جماعيا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين. بهذا الحب الكريم. وبهذا البذل السخي. وبهذه المشاركة الرضية. وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء. حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة. لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين! (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) . . مما يناله المهاجرون من مقام