فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 436

نَفْسُهَا، فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرُ ا هـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم"خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ *"لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهَا، فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. ا هـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَاخِيرُ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ وَتَاخِيرُ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ إثْمُ التَّاخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الْأَصْلِ وَدُونَ التَّاخِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَيْسَ مَعْنَى التَّكْفِيرِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ. ا هـ. وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِاقْتِضَائِهِ كَمَا قَالَ ح سُقُوطَ نَفْسِ الْحَقِّ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا عَلِمْتَهُ بَلْ هَذَا الْحُكْمُ يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ كَمَا مَرَّ عَنْ الْأَكْمَلِ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ بِسُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى أَدَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقَّ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ فِي تَرِكَتِهِ مَا يَفِي بِهِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ إثْمُ التَّاخِيرِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ إثْمٌ بَعْدَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ سُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ، أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يُرْضِي خَصْمَهُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهَا مَحَلٌّ، عَلَى أَنَّ نَفْسَ مَطْلِ الدَّيْنِ حَقُّ عَبْدٍ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ بِتَاخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ، فَحَيْثُ قَالُوا بِسُقُوطِهِ فَلْيَسْقُطْ نَفْسُ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عِيَاضٍ، لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ إنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ الْعَبْدِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْمَارَّةُ؛ أَمَّا أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فَنَقُولُ: نَعَمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجِّ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحَيْنِ الْمَارُّ. وَحِينَئِذٍ صَحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَجْوِيزَهُمْ تَكْفِيرَ الْكَبَائِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ مُنَافٍ لِنَقْلِ عِيَاضٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، بَلْ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ إثْمِ الْمَطْلِ وَتَاخِيرِ الصَّلَاةِ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَدْ كَفَّرَهَا الْحَجُّ بِلَا تَوْبَةٍ. وَكَذَا يُنَافِيهِ عُمُومُ قوله تعالى - وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ * - وَهُوَ اعْتِقَادُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ كُلِّهَا سِوَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ. وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ فَلَا يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ ضَعِيفٌ) أَيْ بِكِنَانَةَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاحْتِجَاجِ كَمَا مَرَّ لَا بِأَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْن مِرْدَاسٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ فَافْهَمْ.

وفي الموسوعة الفقهية:

تَكْفِيرُ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ:

17 -رَوَى عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ فَأُجِيبَ: إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ مَا خَلَا الظَّالِمَ فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، إنْ شِئْت أَعْطَيْت الْمَظْلُومَ مِنْ الْجَنَّةِ وَغَفَرْت لِلظَّالِمِ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ. . . *، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبِعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ *، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ أُخَرَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ - وَإِنْ ضُعِّفَ - فَلَهُ شَوَاهِدُ تُصَحِّحُهُ، وَالْآيَةُ أَيْضًا تُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ: مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ *، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ *. لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ حَتَّى لَوْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ صلى الله عليه وسلم الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَاكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت