(471) (فَصْلٌ) فِي تَمْيِيزِ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ وَمَتَى تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْبَقَاءُ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ عُذْرٍ. (وَ) اعْلَمْ أَنَّ (دَارَ الْإِسْلَامِ) هِيَ (مَا ظَهَرَ فِيهَا) أَرْكَانُهُ وَهِيَ (الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ) الْخَمْسُ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ وَلَا جِوَارٍ (وَلَمْ تَظْهَرْ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ) مِنْ تَكْذِيبِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ مِنْ أَيِّ كُتُبِ اللَّهِ أَوْ اسْتِخْفَافٍ أَوْ إلْحَادٍ (وَلَوْ) كَانَتْ تِلْكَ الْخَصْلَةُ لَيْسَتْ بِكُفْرٍ تَصْرِيحًا وَإِنَّمَا تَكُونُ كُفْرًا (تَاوِيلًا) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهَا مَنْ يَعْتَقِدُ مَا يُؤَوَّلُ إلَى الْكُفْرِ مِثْلَ الْجَبْرِ وَالْقَوْلِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى الْكُفْرِ بَلْ مِمَّا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ بِدُخُولِ فُسَّاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجَنَّةَ إذَا مَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ وَالتَّمَرُّدِ فَهَذَا كُفْرٌ تَاوِيلٍ لَا تَصْرِيحٍ فَإِذَا ظَهَرَ فِي دَارٍ مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ وَلَا جِوَارٍ كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ ظُهُورُهُ مِمَّنْ أَظْهَرهُ إنَّمَا تَمَّ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ (بِجِوَارٍ) وَالْمُرَادُ بِالْجِوَارِ الذِّمَّةُ وَالْأَمَانُ مِنْ بَعْضِ مَنْ لَهُمْ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الدَّارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمَهْمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ لَا دَارُ كُفْرٍ (وَإِلَّا) تَظْهَرُ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ الْخَمْسُ إلَّا بِذِمَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَوْ ظَهَرَتْ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ تَصْرِيحًا أَوْ تَاوِيلًا مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَدَارُ كُفْرٍ) أَيْ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ (وَإِنْ) كَانَ الشَّهَادَتَانِ قَدْ (ظَهَرَتَا فِيهَا) مِنْ دُونِ جِوَارٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ لَكِنْ ظَهَرَ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ دَارَ كُفْرٍ (خِلَافَ الْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْحُكْمَ لِظُهُورِ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْبَلَدِ فَإِنْ ظَهَرَتَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ وَلَوْ ظَهَرَ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ فَلَا حُكْمَ لِظُهُورِ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ إنَّ الِاعْتِبَارَ بِالشَّوْكَةِ. وَقَالَ الْفَقِيهُ يُوسُفُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ إنَّ الْعِبْرَةَ بِالْكَثْرَةِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَتَى ظَهَرَ فِي الْبَلَدِ خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ بِدُونِ جِوَارٍ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ وَلَوْ ظَهَرَ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ بِدُونِ جِوَارٍ.(مَسْأَلَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ دَارَيْ الْحَرْبِ وَالْكُفْرِ جَلِيٌّ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْحُكْمِ أَمَّا فِي التَّسْمِيَةِ فَدَارُ الْحَرْبِ هِيَ دَارُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ الْحَرْبُ. وَأَمَّا دَارُ الْكُفْرِ فَهِيَ دَارُ الْكُفَّارِ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ وَفِي حُكْمِهَا دَارُ الْمُحَارِبِينَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ فَكُلُّ دَارِ حَرْبٍ دَارُ كُفْرٍ لَا الْعَكْسُ
وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَوُجُوبُ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ ظَنِّيٌّ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ وَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ فَوُجُوبُ الْهِجْرَةِ عَنْهَا بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ سَبْيُ الْحَرْبِيِّ كَيْفَ أَمْكَنَ سَوَاءٌ وَجَدْنَاهُ بِدَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا شِبْهِ أَمَانٍ كَالرَّسُولِ مِنْهُمْ إلَيْنَا أَمْ وَجَدْنَاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِمْ وَقْتَ الْحَرْبِ أَمْ بِالتَّلَصُّصِ أَمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ إذَا كَانَ الْأَخْذُ غَيْرَ مُؤَمَّنٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إبَاحَةٍ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُ كُلٌّ فِيهَا مَا ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْكُفْرِ أَخْذُ الْمَالِ مِنْهَا وَلَا السَّبْيُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ إبَاحَةٍ إذْ الْوَاصِلُ إلَيْهِمْ فِي حُكْمِ الْمُؤَمَّنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا فِي بَيَانِ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ أَمَانَهُمْ لِمُسْلِمٍ أَمَانٌ لَهُمْ مِنْهُ فَلَا يَغْنَمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِالْمَالِ فَبِالْأَوْلَى دَارُ الْكُفْرِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي الْإِنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لَا الرِّقِّيَّةُ وَقَدْ نَدَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ الْأَمِينِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْإِعْتَاقِ تَقَرُّبًا إلَى رِضَاهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ تَكْفِيرًا لِذَنْبٍ يَسِيرٍ اقْتَرَفْنَاهُ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُثْلَةُ وَهُوَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا لَطَمَ مَمْلُوكَهُ فِي وَجْهِهِ أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ بِإِعْتَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ مَمْلُوكُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْإِعْتَاقِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي فَصْلِ (314) وَلَمْ يَحُثَّنَا عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ بَلْ جَعَلَهُ مُبَاحًا لَنَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ فَصْلِ (461) فَحِينَئِذٍ الِاسْتِرْقَاقُ الْمَعْهُودُ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ كَالْحَبَشَةِ وَنَحْوِهَا بَاطِلٌ وَالتَّسَرِّي بِالنِّسَاءِ اللَّاتِي يَخْتَطِفُهُنَّ النَّخَّاسُونَ أَوْ يَبِيعُهُنَّ الْآبَاءُ وَالْأَقْرَبُونَ أَوْ يُغْرِيهِنَّ التُّجَّارُ وَالْقَوَّادُونَ لَيْسَ مِنْ التَّسَرِّي الصَّحِيحِ فِي الْإِسْلَامِ بَلْ عِصْيَانٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْحَبَشَةِ وَقَدْ يَكُونُ الِاخْتِطَافُ مِنْهُمْ أَوْ مِمَّنْ بِتُخُومِ الْحَبَشَةِ مِنْ مُسْلِمِي أَفْرِيقِيَّةَ وَمِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إذَا اجْتَمَعَ جِهَةُ حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ فَالْحَظْرُ أَوْلَى حَيْثُ هُوَ الْأَصْلُ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ *"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدِّرَامِيُّ وَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَاسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَاسٌ *"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ قَالَ فِي