فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 436

وفي المحلى:

مَسْأَلَةٌ: الْفُقَرَاءُ هُمْ الَّذِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ أَصْلًا. وَالْمَسَاكِينُ: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ شَيْءٌ لَا يَقُومُ بِهِمْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مُوسِرٌ، أَوْ غَنِيٌّ، أَوْ فَقِيرٌ، أَوْ مِسْكِينٌ، فِي الْأَسْمَاءِ. وَمَنْ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ. وَمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ. وَمَنْ لَهُ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْهُ. وَمَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَهَذِهِ مَرَاتِبُ أَرْبَعٌ مَعْلُومَةٌ بِالْحِسِّ. فَالْمُوسِرُ بِلَا خِلَافٍ: هُوَ الَّذِي يَفْضُلُ مَالُهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ عَلَى السَّعَةِ. وَالْغَنِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فِي غِنًى عَنْ غَيْرِهِ. وَكُلُّ مُوسِرٍ غَنِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ غَنِيٍّ مُوسِرًا: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمِسْكِينِ، وَالْفَقِيرِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي شَيْئَيْنِ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا: إنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةِ حِسٍّ؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ * سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَسَاكِينَ وَلَهُمْ سَفِينَةٌ؛ وَلَوْ كَانَتْ تَقُومُ بِهِمْ لَكَانُوا أَغْنِيَاءَ بِلَا خِلَافٍ. فَصَحَّ اسْمُ الْمِسْكِينِ بِالنَّصِّ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ. وَبَقِيَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا؛ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ إلَّا الْفَقِيرُ، فَوَجَبَ ضَرُورَةً أَنَّهُ ذَاكَ. وَرُوِّينَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى، وَلَا يَفْطِنُ لِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ *. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى إلَّا أَنَّ لَهُ شَيْئًا لَا يَقُومُ لَهُ، فَهُوَ يَصْبِرُ وَيَنْطَوِي، وَهُوَ مُحْتَاجٌ وَلَا يَسْأَلُ. وَقَالَ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ * فَصَحَّ أَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ *. قُلْنَا: صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ يَلْبَسُ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ إزَارًا وَرِدَاءً خَلِقَيْنِ غَسِيلَيْنِ لَا يُسَاوِيَانِ دِرْهَمًا، فَمَنْ رَآهُ كَذَلِكَ ظَنَّهُ غَنِيًّا، وَلَا يُعَدُّ مَالًا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ - وَذَكَرُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدُ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ عِيَالِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ، وَإِنَّمَا صَارَ فَقِيرًا إذَا لَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا؟ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا: هُمْ الْعُمَّالُ الْخَارِجُونَ مِنْ عِنْدِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ طَاعَتُهُ، وَهُمْ الْمُصَدِّقُونَ، السُّعَاةُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: أَنَا عَامِلٌ عَامِلًا، وَقَدْ قَالَ عليه السلام: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ * فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْإِمَامُ الْوَاجِبَةُ طَاعَتُهُ فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا؛ وَلَا يُجْزِئُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ، وَهِيَ مَظْلِمَةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، فَتُجْزِئُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَصَلَتْ إلَى أَهْلِهَا. وَأَمَّا عَامِلُ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ طَاعَتُهُ فَنَحْنُ مَامُورُونَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ؛ وَلَيْسَ عَلَيْنَا مَا يَفْعَلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ وَلَا فَرْقَ، وَكَوَكِيلِ الْمُوَكِّلِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ لَهُمْ قُوَّةٌ لَا يُوثَقُ بِنَصِيحَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَأَلَّفُونَ بِأَنْ يُعْطَوْا مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَمِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ وَالرِّقَابُ: هُمْ الْمُكَاتَبُونَ، وَالْعُتَقَاءُ؛ فَجَائِزٌ أَنْ يُعْطَوْا مِنْ الزَّكَاةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى مِنْهَا الْمُكَاتَبُ. وَقَوْلُ غَيْرِهِ: يُعْطَى مِنْهَا مَا يُتِمُّ بِهِ كِتَابَتَهُ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ قَوْلَانِ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِمَا؟ وَبِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؟ وَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مُكَاتَبُ الْهَاشِمِيِّ، وَالْمُطَّلِبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمَا، وَلَا مَوْلًى لَهُمَا مَا لَمْ يُعْتَقْ كُلُّهُ؟ وَإِنْ أَعْتَقَ الْإِمَامُ مِنْ الزَّكَاةِ رِقَابًا فَوَلَاؤُهَا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَا مِنْ مَالٍ بَاقٍ فِي مِلْكِ الْمُعْطِي الزَّكَاةَ. فَإِنْ أَعْتَقَ الْمَرْءُ مِنْ زَكَاةِ نَفْسِهِ فَوَلَاؤُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِنْ مَالِهِ، وَعَبْدِ نَفْسِهِ؛ وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام: إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ * وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعْتِقْ مِنْ زَكَاتِك. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ إنْ مَاتَ رَجَعَ مِيرَاثُهُ إلَى سَيِّدِهِ. قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا حَسَنٌ، إذَا بَلَغَتْ الزَّكَاةُ مَحَلَّهَا فَرُجُوعُهَا بِالْوُجُوهِ الْمُبَاحَةِ حَسَنٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ مِنْ زَكَاتِهِ عَلَى قَرِيبٍ لَهُ ثُمَّ مَاتَ فَوَجَبَ مِيرَاثُهُ لِلْمُعْطِي: إنَّهُ لَهُ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَيْنُ زَكَاتِهِ. وَالْغَارِمُونَ: هُمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ لَا تَفِي أَمْوَالُهُمْ بِهَا، أَوْ مَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِهَا؛ فَأَمَّا مَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت