كَمَا قُلْنَا فِي تَحَرِّي الْقِبْلَةِ وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَنَحْوِهَا. وَالثَّالِثُ: الِاسْتِدْلَال عَلَى الْحُكْمِ بِالْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَكَيْفِيَّتَهُمَا. وَنَذْكُرُ الْآنَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ، وَطُرُقَهُ، وَوُجُوهَهُ مُخْتَلِفَةً، إلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جُمْلَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَعْتَبِرُهُ. فَمِنْهَا: قوله تعالى: وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ * فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَيْضُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى الشُّهُورِ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا *، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ * فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَمْلِكُونَ عَلَيْنَا مَا يَغْلِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِنَا، لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْفَقْرِ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِكَوْنِهِمْ ذَوِي أَمْوَالٍ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي مِلْكِهِمْ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا لَمَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ * حِينَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْزِلُ دَارَك؟ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ سُؤْرِهِ *، وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ غَسْلُ الْأَوَانِي تَعَبُّدًا مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، إذْ لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ يُغْسَلُ سَبْعًا * قَدْ دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ، لِأَنَّ اسْمَ التَّطَهُّرِ فِي الْأُصُولِ لَا يُطْلَقُ (فِي الْأَوَانِي إلَّا مِنْ) النَّجَاسَةِ. وَمِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ: مَا كَانَ يَقُولُ فِي أَنَّ كُفْرَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِهَا لَمَنَعَ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى (فِي) نَفْسِ الْمَوْطُوءَةِ. وَنَحْوُ: إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ لِفِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ أُلْحِقَ بِهِ مَا كَانَ فِي بَابِهِ، وَاعْتُبِرَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا نَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَجَازَ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَمُدْرِكَهُ فِي أَقَلِّ أَفْعَالِهَا غَيْرُ مُدْرِكٍ لَهَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَفَرَ عَنْهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ عَلَيْهَا: أَنَّهَا مَاضِيَةٌ، وَإِنْ أَتَى بِأَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. كَمَا أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ يَصِحُّ لَهُ الِاعْتِدَادُ بِهَا. كَمَا قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا إذَا عَقَدَهَا بِسَجْدَةٍ: إنَّهُ يَعْتَدُّ بِهَا، وَيَبْنِي عَلَيْهَا السَّادِسَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَقَلِّ حُكْمٌ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَجَعَلُوا الْحُكْمَ لِأَكْثَرِ أَفْعَالِ الرَّكْعَةِ، اسْتِدْلَالًا بِمُدْرِكِ الْإِمَامِ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِهَا. وَجَعَلُوا الْأَقَلَّ كَالْكُلِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْجَوَازِ وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى حُكْمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَجَعَلُوا أَكْثَرَ الطَّوَافِ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، اسْتِدْلَالًا بِقِيَامِ أَكْثَرِ أَرْكَانِ الْحَجِّ مَقَامَ جَمِيعِهَا فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ، وَلَمْ يَرُدُّوهُ إلَى أَصْلٍ، وَلَا رَدُّوا الصَّلَاةَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ بَابِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَنَحْوُ قَوْلِنَا: إنَّ الْعِدَّةَ تَمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ مَا يَمْنَعُهُ نَفْسُ النِّكَاحِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ كَانَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ الْمَنْعِ مِنْ جَمْعِ زَوْجٍ آخَرَ إلَيْهِ، كَحَالِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ عِدَّتِهَا فِي بَابِ مَنْعِ الزَّوْجِ تَزْوِيجَ أُخْتِهَا بِمَنْزِلَةِ حَالِ بَقَاءِ عَقْدِهَا. فَهَذَا وَنَظَائِرُهُ ضُرُوبٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأُصُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِلَّةٍ، وَلَا قِيَاسَ يَكْتَفِي فِيهِ بِذِكْرِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ بِالْأُصُولِ وَقَدْ يُمْكِنُ فِي أَكْثَرِهَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ بِعِلَّةٍ يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَصْلِ، وَيَكُونُ أَقْطَعَ لِلشَّغَبِ. وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ سَائِغٌ، وَإِنْ خَالَفَك فِيهِ مُخَالِفٌ طَالَبَك بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ، كَانَ لَك أَنْ (لَا) تُجِيبَهُ إلَيْهِ، وَتَقُولَ: إنَّ هَذَا عِنْدِي جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحُكْمِ (وَضَرْبٌ مِنْ) ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنْ خَالَفْتنِي فِيهِ فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ فِي الْأَصْلِ، وَيَكُونُ فِي الِاشْتِغَالِ بِتَصْحِيحِهِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا. وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ، إنَّمَا هُوَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْأُصُولِ، فَأَمَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ دَلَائِلِ الْخِطَابِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ، لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ