عَلَيْهِ فِيهِ إذْ لَيْسَ لِأَبَوَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ الْحَجِّ الْفَرْضِ لَا ابْتِدَاءً وَلَا إتْمَامًا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَيَجُوزُ لَهُ بَعْدَ أَدَاءِ نُسُكِهِ رُجُوعُهُ إلَى أَبَوَيْهِ بِالْوَطَنِ الْمَذْكُورِ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ مُعْتَدٌّ بِهِ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ
(سُئِلَ) هَلْ تَدْخُلُ زَوْجَةُ الْحَرْبِيِّ فِي الْأَمَانِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِيهِ إلَّا إذَا صُرِّحَ بِذِكْرِهَا، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوْجَهُ دُخُولُهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الرَّوْضِ فَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لِلْكَافِرِ أَطْلِقْنِي بِكَذَا أَوْ قَالَ لَهُ الْكَافِرُ افْدِ نَفْسَك بِكَذَا فَقِيلَ لَزِمَهُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ، وَمَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ مُعْتَمَدٌ أَيْضًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضِ كَأَصْلِهِ مُعْتَمَدٌ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ الْتَزَمَ لَهُمْ مَالًا لِيُطْلِقُوهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَمِنْ أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا خُذْ هَذَا وَابْعَثْ لَنَا كَذَا مِنْ الْمَالِ فَقَالَ نَعَمْ فَكَأَنَّهُ مُكْرَهٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَا كَذَلِكَ. وَأَجَابَ شَيْخُنَا رحمه الله فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ مَا مَرَّ فِي الْأُولَى صُورَتُهُ أَنْ يُعَاقِدَهُ عَلَى أَنْ يُطْلِقَهُ لِيَعُودَ إلَيْهِ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَالًا كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الدَّارِمِيُّ وَهُنَا عَاقَدَهُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ عَيْنًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا عَقْدَ فِيهَا فِي الْحَقِيقَةِ ا هـ. وَأَقُولُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعَاقَدَةَ الْمَذْكُورَةَ تَقْتَضِي عِوَضًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَوْ صَحَّتْ لَمَلَكَ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا الْتَزَمَ بِهِ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَأَنَّ الْفِدَاءَ إنَّمَا يَقْتَضِي حُصُولَ غَرَضٍ لِمُلْتَزِمِهِ لَا حُصُولَ مِلْكٍ لَهُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ طَلِّقْ زَوْجَتَك بِكَذَا أَوْ أَعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَك بِكَذَا فَفَعَلَ صَحَّ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ.
(وَتَجِبُ) الْهِجْرَةُ (عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ) لقوله تعالى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ * الْآيَةَ
وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا * رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ، وَيَرَوْنَ نَارَهُ إذَا أُوقِدَتْ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ. (زَادَ جَمَاعَةٌ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (أَوْ بَلَدِ بُغَاةٍ أَوْ بِدَعٍ مُضِلَّةٍ، كَرَفْضٍ، وَاعْتِزَالٍ) فَيَخْرُجُ مِنْهَا إلَى دَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ وُجُوبًا إنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا (وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا، لقوله تعالى إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ * (وَلَوْ) كَانَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بِمَا ذُكِرَ (امْرَأَةً) لِدُخُولِهَا فِي الْعُمُومَاتِ (وَلَوْ) كَانَتْ (فِي عِدَّةٍ أَوْ بِلَا رَاحِلَةٍ وَلَا مَحْرَمٍ) بِخِلَافِ الْحَجِّ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالرِّعَايَتَيْنِ: إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهَا، لَمْ تُهَاجِرْ إلَّا بِمَحْرَمٍ، كَالْحَجِّ وَمَعْنَاهُ: فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ، وَزَادَ: وَأَمِنَتْهُمْ عَلَى نَفْسِهَا وَإِنْ لَمْ تَامَنْهُمْ فَلَهَا الْخُرُوجُ، حَتَّى وَحْدَهَا، بِخِلَافِ الْحَجِّ. (وَتُسَنُّ) الْهِجْرَةُ (لِقَادِرٍ عَلَى إظْهَارِهِ) أَيْ: دِينِهِ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ الْكُفَّارِ وَمُخَالَطَتِهِمْ وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ،، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَإِعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُكَثِّرُهُمْ، وَلَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي لَكِنْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً * أَنَّ الْمَعْنَى"إذَا عُمِلَ بِالْمَعَاصِي فِي أَرْضٍ فَاخْرُجُوا مِنْهَا"وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَيَرُدُّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ * الْخَبَرَ.
وفي سبل السلام:
(وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ *: رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ إرْسَالَهُ) وَكَذَا رَجَّحَ أَيْضًا أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ والدارقطني إرْسَالَهُ إلَى قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْصُولًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ مِنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ لِحَدِيثِ جَرِيرٍ وَلِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ * وَلِعُمُومِ قوله تعالى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ * الْآيَةَ وَذَهَبَ الْأَقَلُّ إلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ لِلْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ *. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالُوا فَإِنَّهُ عَامٌّ نَاسِخٌ لِوُجُودِ