فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 436

وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا * إلَى قوله تعالى فَاسِقُونَ *. فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ إلَى أَنْ مَاتُوا، وَلَكِنْ يَدُلُّ يَقِينًا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ سُخْرِيَّتِهِمْ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا غَيْرُ مَغْفُورٍ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا فِيمَا خَلَا، فَكَانَ مَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ مُوجِبًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ لَمْزُهُمْ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُخْرِيَّتُهُمْ بِاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جَهْدَهُمْ - وَإِنْ تَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ - وَأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ لَا عَلَى الْكُفْرِ، بَلْ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ بِلَا شَكٍّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصًا يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ * إلَى قوله تعالى سَبْعِينَ مَرَّةً * وَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ: إنَّهُ مُنَافِقٌ؟ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ * * قَالَ مُسْلِمٌ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ *

وفي المغني:

فَصْلٌ فِي الْهِجْرَةِ:

وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا *. الْآيَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكَيْنِ، لَا تَرَاءَا نَارَاهُمَا *. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ، وَيَرَوْنَ نَارَهُ، إذَا أُوقِدَتْ. فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ. وَحُكْمُ الْهِجْرَةِ بَاقٍ، لَا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ *. وَقَالَ: قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ *. وَرُوِيَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا أَسْلَمَ، قِيلَ لَهُ: لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ. فَأَتَى الْمَدِينَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا جَاءَ بِك أَبَا وَهْبٍ؟ قَالَ: قِيلَ إنَّهُ لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ. قَالَ: ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ، أَقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ، فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ *. رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَعِيدٌ. وَلَنَا مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا *. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ، قَالَ: لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا كَانَ الْجِهَادُ *. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَغَيْرُهُ، مَعَ إطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا، وَتَحَقُّقِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ، فَأَرَادَ بِهَا لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ بَلَدٍ قَدْ فُتِحَ. وَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ:"إنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ". يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفَّارِ، فَإِذَا فُتِحَ لَمْ يَبْقَ بَلَدَ الْكُفَّارِ، فَلَا تَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ. وَهَكَذَا كُلِّ بَلَدٍ فُتِحَ لَا يَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ، وَإِنَّمَا الْهِجْرَةُ إلَيْهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالنَّاسُ فِي الْهِجْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ، وَلَا تُمْكِنُهُ إقَامَةُ وَاجِبَاتِ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ بَيْنَ الْكُفَّارِ، فَهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *. وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِوَاجِبِ دِينِهِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. الثَّانِي؛ مَنْ لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، إمَّا لِمَرَضٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الْإِقَامَةِ، أَوْ ضَعْفٍ؛ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشِبْهِهِمْ، فَهَذَا لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا *. وَلَا تُوصَفُ بِاسْتِحْبَابٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا. وَالثَّالِثُ، مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت