فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 436

وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤوا إن شئتم"الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم"إلى قوله:"إنك لا تخلف الميعاد" [آل عمران: 191 - 194] .

قوله تعالى:"أني"أي بأني. وقرأ عيسى بن عمر"إني"بكسر الهمزة، أي فقال: إني. وروى الحاكم أبو عبدالله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى:"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من: ذكر أو أنثى"الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت"من"للتأكيد؛ لأن قبلها حرف نفي. وقال الكوفيون: هي للتفسير ولا يجوز حذفها؛ لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد."بعضكم من بعض"ابتداء وخبر، أي دينكم واحد. وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك. وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة؛ نظيرها قوله عز وجل:"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" [التوبة: 71] . ويقال: فلان مني، أي على مذهبي وخلقي.

قوله تعالى:"فالذين هاجروا"ابتداء وخبر، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة."وأخرجوا من ديارهم"في طاعة الله عز وجل."وقاتلوا"أي وقاتلوا أعدائي."وقتلوا"أي في سبيلي. وقرأ ابن كثير وابن عامر:"وقاتلوا وقتلوا"على التكثير. وقرأ الأعمش"وقتلوا وقاتلوا"لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول. وقيل: في الكلام إضمار قد، أي قتلوا وقد قاتلوا؛ ومنه قول الشاعر:

تصابى وأمسى علاه الكبر

أي وقد علاه الكبر. وقيل: أي وقد قاتل من بقي منهم؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتل بعضهم. وقال امرؤ القيس: فإن تقاتلونا نقتلكم

وقرأ عمر بن عبدالعزيز:"وقتلوا وقتلوا"خفيفة بغير ألف."لأكفرن عنهم سيئاتهم"أي لأسترنها عليهم في الآخرة، فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها."ثوابا من عند الله"مصدر مؤكد عند البصريين؛ لأن معنى"لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار"لأثيبنهم ثوابا. الكسائي: انتصب على القطع. الفراء: على التفسير."والله عنده حسن الثواب"أي حسن الجزاء؛ وهو ما يرجع على العامل من جراء عمله؛ من ثاب يثوب.

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:

يقول تعالى: فاستجاب لهم ربهم* أي فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر: وداع دعا:

يا من يجيب إلى الندىفلم يستجبه عند ذاك مجيب

قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى* إلى آخر الاَية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا، وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الاَية فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض* إلى آخرها، رواه ابن مردويه، ومعنى الاَية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان * فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون* وقوله تعالى: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى* هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيبًا لهم أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله بعضكم من بعض* أي جميعكم في ثوابي سواء، فالذين هاجروا* أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، وأخرجوا من ديارهم* أي ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت