فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 436

، الْخُرُوجَ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُفْتَتَنُ عَنْ دِينِهِ، وَلَا يُمْنَعُ. فَقَالَ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ تُوُفِّيَ: تَخَلَّفَ عَنْ الْهِجْرَةِ، فَلَمْ يُهَاجِرْ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ * الْآيَةَ. وَأَبَانَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عُذْرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَقَالَ: إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ * الْآيَةَ قَالَ: وَيُقَالُ: (عَسَى) مِنْ اللَّهِ: وَاجِبَةٌ. وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ فُتِنَ عَنْ دِينِهِ، بِالْبَلْدَةِ الَّتِي يُسْلِمُ بِهَا. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) أَذِنَ لِقَوْمٍ بِمَكَّةَ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا، بَعْدَ إسْلَامِهِمْ مِنْهُمْ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَغَيْرُهُ إذْ لَمْ يَخَافُوا الْفِتْنَةَ. وَكَانَ يَامُرُ جُيُوشَهُ أَنْ يَقُولُوا لِمَنْ أَسْلَمَ إنْ هَاجَرْتُمْ فَلَكُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَإِنْ أَقَمْتُمْ فَأَنْتُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ يُخَيِّرُهُمْ، إلَّا فِيمَا يَحِلُّ لَهُمْ.

وفي مشكل الاثار:

بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ *) الْآيَةَ.

حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ إلَى الْيَمَنِ فَكُنْتُ فِيهِمْ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ فَيَاتِي السَّهْمُ بِرِمَايَةٍ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ *. وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ قَالَ: ثنا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَاتِي السَّهْمُ بِرِمَايَةٍ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ * إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَكِّيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ فَأَخْرَجَهُمْ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ بَعْضُهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ * إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَقَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الَّذِي وَصَلَهُ بِمَا تَلَوْتَهُ عَلَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ * وَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذُنُوبٌ فَيُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا. وَالْعَفْوُ فَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ مُسْتَحَقِّي الْعُقُوبَاتِ بِذُنُوبِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ فِيمَا ذُكِرُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَاتِ عَلَيْهَا فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَوْنِهِ أَنَّ الْعَفْوَ عَفْوَانِ فَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ الْعَفْوُ الَّذِي ذُكِرَ وَعَفْوٌ مِنْهُمَا هُوَ رَفْعُ الْعِبَادَةِ فِيمَا يُرْفَعُ فِيهِ فَيُعَادُ لَا عِبَادَةَ فِيهِ يَجِبُ بِالْقِيَامِ بِهَا الثَّوَابُ وَيَسْتَحِقُّ بِالتَّرْكِ لَهَا الْعِقَابَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ * لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَيْئًا قَدْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَعَفَا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّرْكِ لَهُمْ إيَّاهُمْ بِلَا حَقٍّ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ وَلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدُوا بِهَا فِيهِمْ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَاكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَدَعُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَلَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا حَرَّمَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا أَحَلَّ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. فَكَانَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْعَفْوَ عَنْ عُقُوبَاتِ ذُنُوبٍ كَانَتْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ بِهِ تَرْكَ مَا عُفِيَ لَهُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا عِبَادَةٍ تَعَبَّدَهُمْ بِهَا يُوجِبُ إتْيَانُهُمْ بِهَا لَهُمْ الثَّوَابَ وَيُوجِبُ تَرْكُهُمْ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَيْهِمْ الْعِقَابَ فَمِثْلُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَفْوُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا بِقَوْلِهِ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ * وَقَوْلُهُ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ *. هُوَ عَلَى إيجَابِهِ الْعَفْوَ مِنْهُ لَهُمْ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْمَقَامِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ حِيلَةٌ فِي التَّحَوُّلِ عَنْهُ، وَفِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى ضِدِّهِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَحْمُودَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت