فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 436

5 -يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْإِمَامُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ عَهْدًا لِلْمَصْلَحَةِ يَتْرُكُ بِمُوجَبِهِ الْقِتَالَ مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَتَكُونُ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ عَهْدٍ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (هُدْنَةٌ) . وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ عَقْدَ الصُّلْحِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَى قِسْمَيْنِ:

أ - قِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَرَاضِيُ لَنَا، وَنُقِرُّهَا بِأَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ لَنَا. فَهَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ أُجْرَةً لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ، وَهُمْ يَصِيرُونَ أَهْلَ عَهْدٍ. وَالدَّارُ دَارُ إسْلَامٍ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيهَا بِالْبَيْعِ، أَوْ الرَّهْنِ، فَإِنْ دَفَعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ رِقَابِهِمْ جَازَ إقْرَارُهُمْ عَلَى التَّابِيدِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهَا، وَلَمْ يُقَرُّوا فِيهَا إلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي يُقَرُّ فِيهَا أَهْلُ الْهُدْنَةِ.

ب - وَقِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَهُمْ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، وَالْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا يَسْقُطُ عَنْهُمْ، وَلَا تَصِيرُ الدَّارُ دَارَ إسْلَامٍ، وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ وَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَرَهْنُهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا، وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ، وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَهُمْ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَلَيْسَتْ دَارَ إسْلَامٍ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ فِيهَا كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَضَرْبِ النَّاقُوسِ، وَلَا يُمْنَعُونَ إلَّا مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِيوَاءِ جَاسُوسٍ، وَنَقْلِ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْأَعْدَاءِ، وَسَائِرِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا عَقَدَ الْعَهْدَ مَعَ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْ تُجْرَى فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إسْلَامٍ، وَصَارُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، وَإِذَا طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُوَادَعَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ لَا تَجْرِيَ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ فِي دَارِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي عَقْدِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ جَازَ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ ضَرُورَةُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ بِأَنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَبِالْكَفَرَةِ قُوَّةُ الْمُجَاوَزَةِ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ تَرْكُ الْقِتَالِ الْمَفْرُوضِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي حَالٍ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْقِتَالِ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ قِتَالًا مَعْنًى، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ مَعَكُمْ * وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَا بَاسَ بِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ * وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ عَشْرَ سِنِينَ *. وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ بِالْمُوَادَعَةِ، حَتَّى لَوْ وَادَعَهُمْ فَرِيقٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُمْ، لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ كَوْنُ عَقْدِ الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَإِذَا صَالَحَهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَاطَ مَعَ الْجَيْشِ بِبِلَادِهِمْ فَمَا يَاخُذُهُ مِنْهُمْ عَلَى الصُّلْحِ يَكُونُ غَنِيمَةً يُخَمِّسُهَا، وَيَقْسِمُ الْبَاقِي عَلَى الْجَيْشِ، لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِقُوَّةِ السَّيْفِ، فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِسَاحَتِهِمْ، وَأَرْسَلُوا إلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْمُوَادَعَةَ بِالْمَالِ، فَمَا يَاخُذُهُ مِنْهُمْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ، لَا خُمُسَ فِيهِ، بَلْ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْجِزْيَةِ.

الْأَمَانُ لِأَهْلِ دَارِ الْعَهْدِ:

6 -يَمْنَعُ الْإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنْ إيذَاءِ أَهْلِ دَارِ الْعَهْدِ وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ، أَمَّا إنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الدِّفَاعُ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ بِهَذَا الْعَهْدِ"الْمُوَادَعَةِ"مَا خَرَجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ حَرْبٍ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُمْ. وَهَذَا الْعَهْدُ أَوْ الْمُوَادَعَةُ: عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْضِ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ، لقوله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ * أَمَّا إذَا وَقَعَ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِنَّا، لِأَنَّ الْعَهْدَ الْوَاقِعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَقْدُ ذِمَّةٍ. وَالدَّارُ دَارُ إسْلَامٍ يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ نَقَضُوا الصُّلْحَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ مَعَهُمْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إلَى أَنَّ دَارَهُمْ تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ فِي دَارِهِمْ مُسْلِمٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَبْقَى دَارُهُمْ دَارَ إسْلَامِ يَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا حُكْمُ الْبُغَاةِ، وَإِنْ لَمْ

يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُسْلِمٌ وَلَا بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ دَارَ حَرْبٍ. وَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَكَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِدَارِنَا يُبَلَّغُ مَامَنَهُ، أَيْ مَا يَامَنُونَ فِيهِ مِنَّا وَمِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، ثُمَّ كَانُوا حَرْبًا لَنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت