وَتَقْيِيدِ شَوَارِدِهِ وَتَحْقِيقِ فَوَائِدِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ، وَقَوِيَ رَجَاؤُهُ فِي الْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَلَا طَاعَةٍ وَلَا امْتِثَالٍ لِمَا أَمَرَ تَعَالَى بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ وَيُعَدُّ مِنْ أَحْمَقِ الْحُمَقَاءِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجَاؤُهُ أُمُورًا: أَحَدُهَا مَحَبَّةُ مَا يَرْجُوهُ. الثَّانِي خَوْفُهُ مِنْ فَوَاتِهِ. الثَّالِثُ سَعْيُهُ فِي تَحْصِيلِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَأَمَّا رَجَاءٌ لَا يُقَارِنُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمَانِيِّ، وَالرَّجَاءُ شَيْءٌ وَالْأَمَانِيُّ شَيْءٌ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ، وَالسَّائِرُ عَلَى الطَّرِيقِ إذَا خَافَ أَسْرَعَ مَخَافَةَ الْفَوَاتِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ * وَهُوَ جَلَّ شَانُهُ إنَّمَا جَعَلَ الرَّجَاءَ لِأَهْلِ الْأَعْمَالِ. فَعُلِمَ أَنَّ الرَّجَاءَ إنَّمَا يَنْفَعُ إذَا حَثَّ صَاحِبَهُ عَلَى طَاعَةِ مَوْلَاهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَسُنَ ظَنُّهُ بِاَللَّهِ مَعَ انْهِمَاكِهِ فِي اللَّذَّاتِ وَانْكِبَابِهِ عَلَى الْمَعَاصِي وَالشُّبُهَاتِ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ الْأَوَامِرِ وَالطَّاعَاتِ فَهُوَ مِنْ الْحُمْقِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَيْهِ أَمَانِيُّ وَغُرُورٌ. وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا فَإِنْ رَاجَعْته ظَفِرْت بِمُرَادِك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) : الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالرَّغْبَةِ أَنَّ الرَّجَاءَ طَمَعٌ، وَالرَّغْبَةَ طَلَبٌ، فَهِيَ ثَمَرَةُ الرَّجَاءِ. فَإِنَّهُ إذَا رَجَا الشَّيْءَ طَلَبَهُ، وَالرَّغْبَةُ مِنْ الرَّجَا كَالْهَرَبِ مِنْ الْخَوْفِ. فَمَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَرَغِبَ فِيهِ، وَمَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا * وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي شرح النيل:
الْأَوَّلُ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَانِ بِهِمَا يَطِيرُ الْمُقَرَّبُونَ إلَى كُلِّ مَقَامٍ مَحْمُودٍ، وَمَطِيَّتَانِ بِهِمَا يَقْطَعُ مِنْ طُرُقِ الْآخِرَةِ كُلَّ عَقَبَةٍ كَئُودٍ، كَمَا أَنَّ الْخَوْفَ سَوْطٌ زَاجِرٌ لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَالرَّجَاءَ دَاعٍ إلَى الطَّاعَةِ، وَالرَّجَاءُ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى مَقَامًا مَا ثَبَتَ وَدَامَ، وَمَا كَانَ عَارِضًا سَرِيعَ الزَّوَالِ يُسَمَّى حَالًا، وَالْمُنْتَظَرُ إذَا كَانَ مَحْبُوبًا يَحْصُلُ مِنْ انْتِظَارِهِ لَذَّةٌ لِلْقَلْبِ، فَالرَّجَاءُ هُوَ ارْتِيَاحُ الْقَلْبِ لِانْتِظَارِهِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ الِانْتِظَارُ لِحُصُولِ أَسْبَابِهِ الْكَثِيرَةِ فَرَجَاءٌ صَادِقٌ، وَإِلَّا فَكَاذِبٌ، وَإِلَّا الْغُرُورُ أَحَقُّ بِهِ، وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ إلَّا فِيمَا يُتَرَدَّدُ فِيهِ، وَالْأَسْبَابُ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَالِاحْتِرَازُ عَمَّا يُفْسِدُهَا، وَالتَّوْبَةُ عَمَّا صَدَرَ، وَمَنْ كَرِهَ الْمَعْصِيَةَ وَتَسُوءُهُ وَالْحَسَنَةَ تَسُرُّهُ وَيَذُمُّ بِنَفْسِهِ وَيَشْتَهِي التَّوْبَةَ فَحَقِيقٌ بِرَجَاءِ التَّوْفِيقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّوْبَةِ بَلْ هُوَ أَصْلُهَا وَطَرَفٌ مِنْهَا، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ * الْآيَةَ، وَقَالَ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ * الْآيَةَ، وَقَالَ عَنْ الْكَافِرِ: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلَى رَبِّي * الْآيَةَ، فَمَنْ انْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي وَلَا يَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ فَرَجَاؤُهُ كَرَجَاءِ مَنْ لَمْ يَزْرَعْ، أَوْ زَرَعَ فِي سَبْخَةٍ أَنْ يَحْصُدَ أَوْ كَرَجَاءِ مَنْ زَرَعَ وَلَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِسَقْيٍ وَلَا تَنْقِيَةٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ * وَإِنَّمَا الرَّجَاءُ الْحَقِيقُ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْأَسْبَابِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ * أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ الرَّجَاءَ، فَإِنَّ رَجَاءَ الْعَفْوِ وَالتَّوْبَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ الرَّحْمَانِ بِبَذْرِ النَّارِ بِلَا نَدَامَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الِاغْتِرَارِ: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-الحث على الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام (2)
قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ* (195) سورة آل عمران
قال الإمام القرطبي رحمه الله:
قوله تعالى:"فاستجاب لهم ربهم"أي أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف