تَحْرِيمِهَا فَكَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَكَانَ النَّصُّ الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَارِدًا بِالْمَنْعِ مِنْ بَعْضِ الصَّدَقَةِ، فَهُوَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ نَاسِخٌ لِمَا يَقْدُمُهُ، وَمَنْ ادَّعَى فِيمَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَاسِخٌ أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ، فَقَدْ كَذَبَ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَرَامَ إبْطَالَ الْيَقِينِ بِالظَّنِّ الْإِفْكِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي فِيهِ أَنْفَقَ عَلَيَّ مَالَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ * فَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَمْرٍو الْحَنَفِيِّ - وَهُوَ هَالِكٌ مُطْرَحٌ - ثُمَّ التَّوْلِيدُ فِيهِ لَائِحٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَصًّا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِعَامَيْنِ، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ فِيهَا مِنْ سَهْمِهِ مَالٌ وَاسِعٌ مَشْهُورٌ. وَمَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَانَ قَدْ خَالَفَ تِلْكَ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَكَانَ مَنْ أَخَذَ بِتِلْكَ قَدْ أَخَذَ بِهَذِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَالِيفِ مَا صَحَّ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبَارِ، وَضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ إلَّا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ بِنَصٍّ آخَرَ. وَمِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي كُلِّهِ، فَمِنْ الْعَجَبِ الِاحْتِجَاجُ فِي الدِّينِ بِأَحْلَامِ نَائِمٍ، هَذَا عَجَبٌ جِدًّا وَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ أَبُوهُ رضي الله عنه تِلْكَ الرُّؤْيَا فَلَمْ يَعْبَا بِهَا. فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَبَقِيَ كُلُّ مَا أَوْرَدْنَا بِحَسْبِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا: مَنْعُ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ صَاحِبُ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَةِ عَبْدٍ - وَقَدْ حَضَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ - ثُمَّ يُجِيزُونَ لَهُ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْ لَا يُغْبَنَ فِي الْبَيْعِ فَأَطْلَقَهُ الْقَاضِي عَلَى مَالِهِ، وَمَا أَدْرَاك مَا الْقَاضِي أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ مَالِهِ لِشَاعِرٍ سَفِيهٍ، أَوْ لِنَدِيمِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَبْقَى هُوَ وَأَطْفَالُهُ وَعِيَالُهُ يَسْأَلُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَمُوتُونَ جُوعًا وَبَرْدًا، وَاَللَّهِ مَا كَانَ قَطُّ هَذَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، مَا هُوَ إلَّا مِنْ حُكْمِ الشَّيْطَانِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قوله تعالى: وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ *. فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ الْخَلْقُ بِأَجْمَعِهِمْ: يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ طُرِدَ، وَنَصَرُوهُ حِينَ خُذِلَ، فَلَا مِثْلَ لَهُمْ وَلَا لِأَجْرِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *: فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَك، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *. مُخْتَصَرٌ، وَتَمَامُهُ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَصَابَنِي الْجَهْدُ؛ فَأَرْسَلَ إلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ لَا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا. فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي سِوَى قُوتِ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ، وَأَنْزَلَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * *. وَرُوِيَ أَنَّ النَّضِيرَ لَمَّا اُفْتُتِحَتْ أَرْسَلَ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَ: جِئْنِي بِقَوْمِك. قَالَ: الْخَزْرَجُ. قَالَ: الْأَنْصَارُ، فَدَعَاهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَاسَوْا الْمُهَاجِرِينَ بِدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إنْ شِئْتُمْ أَشْرَكْتُكُمْ فِيهَا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ شِئْتُمْ خَصَصْتُهُمْ بِهَا، وَكَانَتْ لَكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَدِيَارُكُمْ؛ فَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ: بَلْ نَخُصُّهُمْ بِهَا وَيَبْقَوْنَ عَلَى مُوَاسَاتِنَا لَهُمْ؛ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ *. الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ *.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْإِيثَارُ بِالنَّفْسِ فَوْقَ الْإِيثَارِ بِالْمَالِ، وَإِنْ عَادَ إلَى النَّفْسِ وَمِنْ الْأَمْثَالِ السَّائِرَةِ: وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ وَمِنْ عِبَارَاتِ الصُّوفِيَّة فِي حَدِّ الْمَحَبَّةِ: إنَّهَا الْإِيثَارُ، أَلَا تَرَى