إسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ *. هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَذْكُرُوهُ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ وَلَكِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ * فَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا. وَمَنْ أَنْفَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَنْفَقَ ثَلَاثَةً بِالْعَدَدِ كَذَلِكَ: فَقَدْ أَنْفَقَ أَمْوَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّ مَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَقَلَّ، فَقَدْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَالِهِ وَإِنْ قَلَّ يُسَمَّى مَالَهُ. ثُمَّ بَيَانُ مَا يَجُوزُ إنْفَاقُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ وَمُبِيحَةٌ لِبَسْطِ يَدِهِ كُلَّ الْبَسْطِ، وَلِلتَّبْذِيرِ وَالسَّرَفِ، فَيَكُونُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا قوله تعالى: وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ * مَعَ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام إذْ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ * فَإِنَّ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ بَيَّنَهُمَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُد نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَأَبْدَا بِمَنْ تَعُولُ *. فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَخَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ إنَّمَا هُمَا فِي جُهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا مِنْ الْمَالِ غَيْرَ مُكْثِرٍ إذَا أَبْقَى لِمَنْ يَعُولُ غِنًى وَلَا بُدَّ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * فَحَقٌّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ بِهِ خَصَاصَةٌ وَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَجْهُودٍ، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ تَضْيِيعُ نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ هُوَ أَغْنَى مِنْهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يُحَامِلُ فَيَاتِي بِالْمُدِّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ * فَهَذَا حَسَنٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ غِنًى وَلِأَهْلِهِ، وَلَا فَضْلَ عِنْدَهُ فَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيُصِيبُ مُدًّا هُوَ عَنْهُ فِي غِنًى فَيَتَصَدَّقُ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ابْدَا بِمِنْ تَعُولُ * - وَأَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى * ، وَرَدُّهُ عليه الصلاة والسلام مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ *. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ * تَصْحِيحٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ غِنًى، وَفَضَلَ لَهُ دِرْهَمَانِ فَقَطْ فَتَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا، وَكَانَتْ نِسْبَةُ الدِّرْهَمِ مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِسْبَةِ الْمِائَةِ الْأَلْفِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غِنًى سِوَاهُمَا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى يَعْتَمِلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ فَبَيِّنٌ كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ عليه السلام لَمْ يُفْرِدْ الصَّدَقَةَ دُونَ مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، بَلْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا نَقُولُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي بَاتَ بِهِ الضَّيْفُ فَقَدْ رُوِّينَاهُ بِبَيَانٍ لَائِحٍ، كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ نا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ - هُوَ فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُضِيفَهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا لِضَيْفِهِ فَقَالَ: أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى رَحْلِهِ *، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ، كَمَا رَوَاهُ جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ - فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ أَبَا طَلْحَةَ وَهُوَ مُوسِرٌ مِنْ مَيَاسِيرِ الْأَنْصَارِ. وَرُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَقَدْ لَا يَحْضُرُ الْمُوسِرَ أَكْلٌ حَاضِرٌ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَمُنْقَطِعٌ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا السَّنَدِ بَيَانًا، كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو الْوَلِيدِ الْأَنْطَاكِيُّ نا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ حَائِطِي صَدَقَةٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ، فَأَتَى أَبُوهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا كَانَ لَنَا عَيْشٌ غَيْرُهَا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ - يَعْنِي عَلَى الْأَبِ - فَمَاتَ فَوَرِثَهَا - يَعْنِي الِابْنُ عَنْ أَبِيهِ - * فَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ السَّنَدِ - وَفِيهِ رَدُّهُ عليه السلام لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ الَّتِي كَانَ لَا عَيْشَ لِأَبِيهِ إلَّا مِنْهَا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الِابْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ غِنًى غَيْرُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ إحْدَى طَرِيقَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَالثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ إسْحَاقَ الْفَرْوِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ الصَّغِيرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ الصَّدَقَةِ مَا لَمْ يَاتِ نَهْيٌ عَنْ