قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ يُرَدُّ مِنْ حَيْفِ النَّاحِلِ فِي حَيَاتِهِ مَا يُرَدُّ مِنْ حَيْفِ الْمَيِّتِ فِي وَصِيَّتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الزُّبَيْرِ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ بِجَمِيعِ مَالِهِ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا فَأَمْضَى لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ الثُّلُثَ، أَوْ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَحُدُّ الثُّلُثَ وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ إنَّمَا هُوَ مَا أَبْقَى غِنًى. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كُلُّ صَدَقَةٍ تَصَدَّقَ بِهَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ قَدْ بَلَغَ لَا بَاسَ بِعَقْلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ بِهِ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ لَهُ غِنًى فَيَتَصَدَّقُ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ بِمَالِهِ كُلِّهِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ سَرَفًا، فَتَرُدُّ الْوُلَاةُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِقَدْرِ رَايِهِمْ فِيهِ، وَيُجِيزُونَ السَّدَادَ، عَلَى هَذَا جَرَى أَمْرُ الْقُضَاةِ. فَهَؤُلَاءِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُرْوَةُ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَالْقُضَاةُ جُمْلَةً لَا يُجِيزُونَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْغِنَى هُوَ مَا يَقُومُ بِقُوتِ الْمَرْءِ وَأَهْلِهِ عَلَى الشِّبَعِ مِنْ قُوتِ مِثْلِهِ، وَبِكِسْوَتِهِمْ كَذَلِكَ وَسُكْنَاهُمْ، وَبِمِثْلِ حَالٍ مِنْ مَرْكَبٍ وَزِيٍّ فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَهَذَا يَقَعُ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ اسْمُ غِنًى، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ النَّاسِ، فَمَا زَادَ فَهُوَ وَفْرٌ وَدَثْرٌ وَيَسَارٌ، وَفَضْلٌ إلَى الْإِكْثَارِ، وَمَا نَقَصَ فَلَيْسَ غِنًى، وَلَكِنَّهُ حَاجَةٌ وَعُسْرَةٌ وَضِيقَةٌ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْمَسْكَنَةِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْفَقْرِ، وَالْإِدْقَاعِ، وَالضَّرُورَةِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى وَالْمَالِ. فَإِنْ ذَكَرَ الْمُخَالِفُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ * وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ *: وقوله تعالى وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ * وَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَامُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا فَيُحَامِلُ فَيَجِيءُ بِالْمُدِّ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ، كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ أَجْوَدَهُمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهَا مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا *. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَكَمِ الرَّقِّيِّ عَنْ حَجَّاجٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ - عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ الصَّنْعَانِيِّ الْخَثْعَمِيِّ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِّ *. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ هُوَ سَعِيدٌ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَجِدْهَا؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ * وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ نا وَكِيعٌ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا قُوتَهُ وَقُوتَ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَك - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * *. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بَلَغَنَا: أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ صَدَقَةً - وَهُوَ مَالُهُ كُلُّهُ - ثُمَّ وَرِثَهُمَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هُوَ كُلُّهُ لَكَ حَلَالٌ *. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ نا الْعَلَاءُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ نا أَبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا فِي صَدْرِهِ بِخِلَالٍ إذْ هَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا بِخِلَالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ عَلَيَّ مَالَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ: اقْرَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ السَّلَامَ، وَقَالَ لَهُ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي يَا أَبَا بَكْرٍ فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ذَلِكَ؟ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَسْخَطُ عَلَى رَبِّي، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا *. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ نا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَبْقَيْتُ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرُسُلَهُ *. وَمِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نا"