وَطَعْنَكُمْ فِي بَطْنِي، وَإِنِّي قَدْ بَايَعْت مُعَاوِيَةَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا"انْتَهَى. وَلَعَلَّ الَّذِي فِي الْكِتَابِ رِوَايَةَ الْعِقْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ) "فَقَالَ فِيهِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ"إلَخْ. قِيلَ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
(فَرْعٌ) فَمَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ فِي جِهَتِهِمْ إلَّا بِتَعْظِيمِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ، إذْ مَنْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْإِقَامَةُ فِي جِهَةٍ إلَّا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِدَلِيلِ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ * الْآيَةَ.
(وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ) أَيْ حَرْبٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا كَذَلِكَ. (إنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ) لِشَرَفِهِ أَوْ شَرَفِ قَوْمِهِ وَأَمِنَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ وَلَمْ يَرْجُ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ هُنَاكَ بِمُقَامِهِ. (اُسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَكْثُرَ سَوَادُهُمْ وَرُبَّمَا كَادُوهُ وَلَمْ تَجِبْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ وَلَمْ تَحْرُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ شَانِ الْمُسْلِمِ بَيْنَهُمْ الْقَهْرَ وَالْعَجْزَ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَجَا ظُهُورَ الْإِسْلَامِ بِمُقَامِهِ ثَمَّ كَانَ مُقَامُهُ أَفْضَلَ أَوْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِزَالِ ثَمَّ وَلَمْ يَرْجُ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ كَانَ مُقَامُهُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ دَارُ إسْلَامٍ فَلَوْ هَاجَرَ لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ إنْ قَدَرَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَدُعَائِهِمْ لِلْإِسْلَامِ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا. (تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ دَارُ إسْلَامٍ أَنَّ كُلَّ مَحَلٍّ قَدَرَ أَهْلُهُ فِيهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ صَارَ دَارَ إسْلَامٍ وَحِينَئِذٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَوْدُهُ دَارَ كُفْرٍ وَإِنْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ * فَقَوْلُهُمْ لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ الْمُرَادُ بِهِ صَيْرُورَتُهُ كَذَلِكَ صُورَةً لَا حُكْمًا وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ وَلَا أَظُنُّ أَصْحَابَنَا يَسْمَحُونَ بِذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَى دَارِ إسْلَامٍ فِي مِلْكِ أَهْلِهِ، ثُمَّ فَتَحْنَاهَا عَنْوَةً مَلَكْنَاهَا عَلَى مُلَّاكِهَا وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، ثُمَّ رَأَيْت الرَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَسْكُنُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقِسْمٌ فَتَحُوهُ وَأَقَرُّوا أَهْلَهُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةٍ مَلَكُوهُ أَوْ لَا، وَقِسْمٌ كَانُوا يَسْكُنُونَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَعَدُّهُمْ الْقِسْمَ الثَّانِيَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ كَوْنُهَا تَحْتَ اسْتِيلَاءِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ قَالَ: وَأَمَّا عَدُّهُمْ الثَّالِثَ فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ الْقَدِيمَ يَكْفِي لِاسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا وَإِلَّا فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعِيدٌ نَقْلًا وَمُدْرَكًا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته أَنَّ مَا حُكِمَ بِأَنَّهُ دَارُ إسْلَامٍ لَا يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ دَارَ كُفْرٍ مُطْلَقًا. (وَإِلَّا) يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ. (وَجَبَتْ) الْهِجْرَةُ. (إنْ أَطَاقَهَا) وَأَثِمَ بِالْإِقَامَةِ وَلَوْ امْرَأَةً وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا لَكِنْ إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ دُونَ خَوْفِ الْإِقَامَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ لَمْ يُطِقْهَا فَمَعْذُورٌ، وَذَلِكَ لقوله تعالى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ * الْآيَةَ وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ * وَخَبَرِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ * أَيْ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتُثْنِيَ مَنْ فِي إقَامَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذًا مِمَّا جَاءَ أَنَّ الْعَبَّاسَ رضي الله عنه أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَاسْتَمَرَّ مُخْفِيًا إسْلَامَهُ إلَى فَتْحِ مَكَّةَ يَكْتُبُ بِأَخْبَارِهِمْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يُحِبُّ الْقُدُومَ عَلَيْهِ فَيَكْتُبُ لَهُ إنَّ مُقَامَك بِمَكَّةَ خَيْرٌ وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ إسْلَامِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ الْمَذْكُورَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا إسْلَامٌ وَلَا عَدَمُهُ وَبِفَرْضِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ كَانَ آمِنًا غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ فَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ الْحَافِظَ فِي الْإِصَابَةِ قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ: حَضَرَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ مَعَ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ مُكْرَهًا فَافْتَدَى نَفْسَهُ وَعُقَيْلًا وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ فَيُقَالُ: إنَّهُ أَسْلَمَ وَكَتَمَ قَوْمَهُ ذَلِكَ فَكَانَ يَكْتُبُ الْأَخْبَارَ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِقَلِيلٍ انْتَهَى وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْهِجْرَةَ كَمَا تَجِبُ هُنَا تَجِبُ مِنْ بَلَدِ إسْلَامٍ أَظْهَرَ بِهَا حَقًّا أَيْ وَاجِبًا وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَا قَدَرَ عَلَى إظْهَارِهِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِبَلَدٍ تُعْمَلُ فِيهِ الْمَعَاصِي وَلَا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُهَا الْهِجْرَةُ إلَى حَيْثُ تَتَهَيَّأُ لَهُ الْعِبَادَةُ لقوله تعالى فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * نَقَلَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ