فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 436

هذه هي قافلة الإيمان.

وهذا هو دعاء الإيمان. وإنها لقافلة كريمة. وإنه لدعاء كريم.

وقال الجصاص:

وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *، الْخَصَاصَةُ الْحَاجَةُ؛ فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِيثَارِهِمْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ مُحْتَاجِينَ إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَعِي دِينَارٌ فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك فَقَالَ: مَعِي دِينَارٌ آخَرُ فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى عِيَالِك فَقَالَ: مَعِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ *، وَأَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَصَدَّقْ بِهَذِهِ فَإِنِّي مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، إلَى أَنْ أَعَادَ الْقَوْلَ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَمَاهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَعَقَرْته، ثُمَّ قَالَ: يَاتِينِي أَحَدُكُمْ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ إنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى *، وَأَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ وَالرَّجُلُ بِحَالِ بَذَاذَةٍ، فَحَثَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ قَوْمٌ ثِيَابًا أَوْ دَرَاهِمَ، فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ كَرَاهَةُ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى النَّفْسِ ثُمَّ الصَّدَقَةُ بِالْفَضْلِ قِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَقْرِ وَخَشِيَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ إذَا فَقَدَ مَا يُنْفِقُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: يَاتِينِي أَحَدُهُمْ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ *؟ فَإِنَّمَا كَرِهَ الْإِيثَارَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ، فَأَمَّا الْأَنْصَارُ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ فَلَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ كَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ *، فَكَانَ الْإِيثَارُ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِنْ الْإِمْسَاكِ، وَالْإِمْسَاكُ مِمَّنْ لَا يَصْبِرُ وَيَتَعَرَّضُ لِلْمَسْأَلَةِ أَوْلَى مِنْ الْإِيثَارِ. وَقَدْ رَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَاسُ شَاةٍ، فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا وَعِيَالَهُ أَحْوَجُ إلَى هَذَا مِنَّا فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ وَاحِدٌ إلَى آخَرَ حَتَّى تَدَاوَلَهَا تِسْعَةٌ أَهْلُ أَبْيَاتٍ حَتَّى رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ، فَنَزَلَتْ: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ * الْآيَةَ. وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رِجْلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ أَنْ تُصِيبَنِي هَذِهِ الْآيَةُ: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ *، فُو اللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أُطِيقُ مَنْعَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَا الْبُخْلُ وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ، وَلَكِنَّ الشُّحَّ أَنْ تَاخُذَ مَالَ أَخِيك بِغَيْرٍ حَقِّ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ * قَالَ ادِّخَارُ الْحَرَامِ وَمَنْعُ الزَّكَاةِ". آخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ."

وفي المحلى:

وَمِمَّا ذَكَرْنَا مَسَائِلُ فِيهَا خِلَافٌ قَدِيمٌ، وَهِيَ: مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَسْجِدِ إيلْيَاءَ، أَوْ الرُّكُوبَ، أَوْ النُّهُوضَ إلَى مَكَّةَ، أَوْ إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ مِنْ الْحَرَمِ، وَمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ بَاعَهُ، أَوْ عِتْقَ عَبْدِ فُلَانٍ إنْ مَلَكَهُ. فَأَمَّا الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ - وَهُوَ قَوْلُنَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فِي الْمَسَاكِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ، صَحَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ جَعَلْت مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَرُوِّينَا عَنْ سَالِمٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِهِ. وَصَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهُمَا كَانَا يُلْزِمَانِهِ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ هَؤُلَاءِ: فَإِنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إلَّا أَبَا سُلَيْمَانَ فَقَالَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ حَاشَا قُوتِ شَهْرٍ فَإِذَا أَفَادَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِمَا كَانَ أَبْقَى لِنَفْسِهِ - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ، وَرَأَى فِيهِ إذَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَيَجْزِيهِ: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت