فأنزل الله تعالى:"ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة"إلى قوله"ألا تحبون أن يغفر الله لكم". قال عبدالله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي؛ فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا.
في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا يحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان؛ وكذلك سائر الكبائر؛ ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال الله تعالى:"لئن أشركت ليحبطن عملك" [الزمر: 65] .
من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله أولى منه أتاه وكفر عن يمينه، أو كفر عن يمينه وأتاه؛ كما تقدم في"المائدة]. ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبّد ذلك أنها جُرحة في شهادته؛ ذكره الباجي في المنتقى."
قوله تعالى:"ولا يأتل أولوا الفضل""ولا يأتل"معناه يحلف؛ وزنها يفتعل، من الألية وهي اليمين؛ ومنه قوله تعالى:"للذين يؤلون من نسائهم"وقد تقدم في"البقرة". وقالت فرقة: معناه يقصر؛ من قولك: ألوت في كذا إذا قصرت فيه؛ ومنه قوله تعالى:"لا يألونكم خبالا" [آل عمران: 118] .
قوله تعالى:"ألا تحبون أن يغفر الله لكم"تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم؛ وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: (من لا يرحم لا يرحم) .
قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل. أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى:"وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" [الأحزاب: 47] . وقد قال تعالى في آية أخرى:"والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير" [الشورى: 22] ؛ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. ومن آيات الرجاء قوله تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" [الزمر: 53] . وقوله تعالى:"الله لطيف بعباده" [الشورى: 19] . وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل:"ولسوف يعطيك ربك فترضى" [الضحى: 5] ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار.
قوله تعالى:"أن تؤتوا"أي ألا يؤتوا، فحذف"لا"؛ كقول القائل:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ذكره الزجاج. وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار"لا"."وليعفو"من عفا الربع أي درس فهو محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع.
** وَلاَ يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَا أُوْلِي الْقُرْبَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوَا أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
يقول تعالى: ولا يأتل* من الألية وهي الحلف، أي لا يحلف أولو الفضل منكم* أي الطّوْل والصدقة والإحسان والسعة* أي الجدة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله* أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: وليعفوا وليصفحوا* أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه الاَية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه ـ شرع تبارك وتعالى وله الفضل والمنة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد ولق ولقةً تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق رضي الله عنه معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الاَية إلى قوله