وَعَطَاءٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْحَكَمِ. وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَشَرِيكٍ، وَمُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَوَكِيعٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، الْقَوْلَانِ مَعًا. وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ رضي الله عنه أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ مِلَلًا كَثِيرَةً، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً أُخْرَى، وَعِبَادَةُ الشَّمْسِ مِلَّةً، فَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَإِسْحَاقُ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى *. وَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَالْعُمُومَاتِ فِي التَّوْرِيثِ مَخْصُوصَةٌ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحِلُّ النِّزَاعِ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مُخَالِفِينَا قَطَعُوا التَّوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْمِلَّةِ، لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ أَوْلَى. وَقَوْلُ مَنْ حَصَرَ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ عَدَمِيٌّ، لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَلَا جَمْعًا، ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذَا الضَّابِطِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، ثُمَّ قَدْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ، وَمُعْتَقِدَاتِهِمْ، وَآرَائِهِمْ، يَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً. وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
(5179) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ) أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّايِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الذِّمِّيِّ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ، هَلْ يَلِي نِكَاحَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلِيهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَيَلِي نِكَاحَهَا كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَيْهَا فَيَلِيهِ كَإِجَارَتِهَا. وَالثَّانِي، لَا يَلِيهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَلِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَابْنَتِهِ. فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ وَهَذَا أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ، غَيْرَ السَّيِّدِ وَالسُّلْطَانِ وَوَلِيِّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ *. وَلِأَنَّ مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ يَلِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا. وَأَمَّا سَيِّدُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِكَافِرٍ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ يَلِي تَزْوِيجَهَا لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ، فَلَمْ يَمْنَعْهَا كَوْنُ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ مُسْلِمًا، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ تَحْتَاجُ إلَى التَّزْوِيجِ. وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرُ سَيِّدِهَا فَأَمَّا السُّلْطَانُ، فَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا، كَالْمُسْلِمَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُخَرَّجُ فِي اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ فِي دِينِهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اعْتِبَارِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ.
79 - (فَصْلٌ) الطَّرِيقُ السَّابِعَ عَشَرَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: شَهَادَةُ الْكُفَّارِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَالثَّانِيَةُ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَقَالَ حَنْبَلٌ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:"تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ". قَالَ حَنْبَلٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَجُوزُ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْمَرُّوذِيِّ وَحَرْبٍ وَالْمَيْمُونِيِّ وَأَبِي الْحَارِثِ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ وَأَبِي طَالِبٍ - وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ * - وَصَالِحٍ ابْنِهِ، وَأَبِي حَامِدٍ الْخَفَّافِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَمُهَنَّا بْنِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ مُهَنَّا: أَرَأَيْتُ إنْ عَدَلُوا؟ قَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُهُمْ؟ الْعِلْجُ مِنْهُمْ؟