عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك الَّتِي قُلْت فَقَالَ وَجَدْت فِي أَهْلِ الْكِتَابِ حُكْمًا مُخَالِفًا حُكْمَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَوَجَدْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ نِكَاحَ حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا تُقَاسُ إمَاؤُهُمْ بِحَرَائِرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَنَا أَقِيسُ رِجَالَهُمْ بِنِسَائِهِمْ فَأَجْعَلُ لِرِجَالِهِمْ أَنْ يَنْكِحُوا الْمُسْلِمَاتِ إذَا كَانُوا خَارِجِينَ مِنْ الْآيَتَيْنِ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَالْإِرْخَاصُ فِي حَرَائِرِ نِسَائِهِمْ لَيْسَ الْإِرْخَاصُ فِي أَنْ يَنْكِحَ رِجَالُهُمْ الْمُسْلِمَاتِ؟ قُلْت: فَإِنْ قَالَ لَك وَلَكِنَّهُ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ قَالَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ قِيَاسًا وَإِنَّمَا قُصِدَ بِالتَّحْلِيلِ عَيْنٌ مِنْ جُمْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ قُلْت فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْك لِأَنَّ إمَاءَهُمْ غَيْرُ حَرَائِرِهِمْ كَمَا رِجَالُهُمْ غَيْرُ نِسَائِهِمْ وَإِنَّمَا حَرَائِرُهُمْ مُسْتَثْنَوْنَ مِنْ جُمْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ. قَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْكِحَ مُسْلِمَةً. قُلْت: فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْك لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَرَّمُوا ذَلِكَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَخَّصُوا فِي الْحَرَائِرِ بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْإِمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قُلْت: فَإِذَا اخْتَلَفُوا فَالْحُجَّةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَك لِمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ حَرَّمَهُنَّ فَقَدْ وَافَقَ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ لِأَنَّهُنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْرِكَاتِ وَبَرِئُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْحَرَائِر الْمَخْصُوصَات بِالتَّحْلِيلِ (قَالَ) وَقُلْنَا لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إلَّا بِأَنْ لَا يَجِدَ نَاكِحُهَا طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَلَا تَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ حَتَّى يَخَافَ الْعَنَتَ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ لَهُمَا أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَخَالَفَنَا فَقَالَ: يَحِلُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ فَقَالَ لَنَا مَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ فَقُلْت كِتَابُ اللَّهِ الْحُجَّةُ فِيهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنْ لَا يَحِلَّ نِكَاحُ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ؟ فَقُلْت لَهُ: قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ فَقَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ * وَاسْتَثْنَى إحْلَالَهُ لِلْمُضْطَرِّ أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَمَّا حَلَّتْ الْمَيْتَةُ بِحَالٍ لِوَاحِدٍ مَوْصُوفٍ وَهُوَ الْمُضْطَرُّ حَلَّتْ لِمَنْ لَيْسَ فِي صِفَتِهِ؟ قَالَ لَا. قُلْت وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالطَّهُورِ وَأَرْخَصَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ أَنْ يَقُومَ الصَّعِيدُ مَقَامَ الْمَاءِ لِمَنْ يَعُوزُهُ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ وَلِلْمَرِيضِ مِثْلُ الْمَحْذُورِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ بِغَيْرِ إعْوَازٍ أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أُجِيزَ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ عَلَى غَيْرِ إعْوَازٍ كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَبَدًا إلَّا لِمَعُوزٍ مُسَافِرٍ وَإِذَا أُحِلَّ شَيْءٌ بِشَرْطٍ لَمْ يَحْلُلْ إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ اثْنَيْنِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ حِينَ أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ فِي الظِّهَارِ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ * لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصُومَ وَهُوَ يَجِدُ عِتْقَ رَقَبَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ: فَقُلْت لَهُ قَدْ أَصَبْت: فَإِنْ كَانَتْ لَك بِهَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ لَوْ خَالَفَك فَكَذَلِكَ هِيَ عَلَيْك فِي إحْلَالِك نِكَاحَ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَرَائِرِهِمْ وَنِكَاحِ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّه فِيهِنَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَلِمَنْ يَخَافُ الْعَنَتَ وَمَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْنَا وَفِيمَا وَصَفْت كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَمِنْ أَصْحَابِك مَنْ قَالَ يَجُوزُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْمُسْلِمَاتِ بِكُلِّ حَالٍ قُلْت فَالْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَجَازَ نِكَاحَ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ الْحُجَّةُ عَلَيْك وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ نِكَاحُهُنَّ إلَّا بِمَعْنَى الضَّرُورَةِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّاكِحُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَيَخَافَ الْعَنَتَ فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ مَعَهُ الْحَقُّ.
بَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا * قَالَ قَتَادَةُ:"يَعْنِي بِهِ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ آمَنَ الْيَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخَالَفَتِهَا وَكَذَلِكَ آمَنُوا بِمُوسَى عليه السلام ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخَالَفَتِهِ، وَآمَنَ النَّصَارَى بِالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخَالَفَتِهِ وَكَذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسَى عليه السلام ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخَالَفَتِهِ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُخَالَفَةِ الْفُرْقَانِ وَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:"هِيَ فِي الْمُنَافِقِينَ: آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ مَاتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ". وَقَالَ آخَرُونَ هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَصَدَتْ تَشْكِيكَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ بِهِ وَالْكُفْرَ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ الَّذِي تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَأَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ مَقْبُولَةٌ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَقَبُولُ تَوْبَتِهِ بَعْدَ الْكُفْرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْحُكْمُ بِإِيمَانِهِ مَتَى أَظْهَرَ الْإِيمَانَ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالزِّنْدِيقِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ:"فِي الْأَصْلِ لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْتَتَابَ، وَمَنْ قَتَلَ مُرْتَدًّا قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ فَلَا