فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 436

قوله تعالى:"توفاهم الملائكة"يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم؛ فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار. وقيل: تقبض أرواحهم؛ وهو أظهر. وقيل: المراد بالملائكة ملك الموت؛ لقوله تعالى:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم" [السجدة: 11] . و"ظالمي أنفسهم"نصب على الحال؛ أي في حال ظلمهم أنفسهم، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف؛ كما قال تعالى:"هديا بالغ الكعبة" [المائدة: 95] . وقول الملائكة"فيم كنتم"سؤال تقريع وتوبيخ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين! وقول هؤلاء:"كنا مستضعفين في الأرض"يعني مكة، اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم"ألم تكن أرض الله واسعة".

ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحدهم بالإيمان، واحتمال ردته. والله أعلم. ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في"مأواهم"من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان؛ كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية؛ وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك، وأمه هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة، وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة الصغرى، وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن: (الأخوات مؤمنات) ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة: أم حفيد، واسمها هزيلة. هن ست شقائق وثلاث لأم؛ وهن سلمى، وسلامة، وأسماء. بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ثم امرأة أبي بكر الصديق، ثم امرأة علي رضى الله عنهم أجمعين.

قوله تعالى:"فيم كنتم"سؤال توبيخ، وقد تقدم. والأصل"فيما"ثم حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، والوقف عليها (فيمه) لئلا تحذف الألف والحركة. والمراد بقوله:"ألم تكن أرض الله واسعة"المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها؛ وتلا"ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام) ."فأولئك مأواهم جهنم"أي مثواهم النار. وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم."وساءت مصيرا"نصب على التفسير.

وقوله تعالى:"لا يستطيعون حيلة"الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة؛ فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما، والصواب أنه عام في جميع السبل. وقوله تعالى:"فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم"هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب له حتى يعفى عنه؛ ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في الهجرة، حتى أن من لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم؛ إذ لا يجب تحمل غاية المشقة، بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة. فمعنى الآية؛ فأولئك لا يستقصى عليهم في المحاسبة؛ ولهذا قال:"وكان الله عفوا غفورا"والماضي والمستقبل في حقه تعالى واحد، وقد تقدم.

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم*، وراه الليث عن أبي الأسود. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت