فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 436

لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر مالهم في الاَخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الاَخرة، كما قال والسابقون الأولون* الاَية وقال والذين جاءوا من بعدهم* الاَية. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «المرء مع من أحب» وفي الحديث الاَخر «من أحب قومًا فهو منهم» وفي رواية «حشر معهم» . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» قال شريك: فحدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وأما قوله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله* أي في حكم الله وليس المراد بقوله: وأولو الأرحام* خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالاَية ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة بل الحق أن الاَية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا، والله أعلم.

وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله:

فكذلك المجتمع الجاهلي:

(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) . .

إن الأمور بطبيعتها كذلك - كما أسلفنا. إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد؛ إنما يتحرك ككائن عضوي، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه. فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا. . ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام؛ وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله؛ ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد:

(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . .

ولا يكون بعد هذا النذير نذير، ولا بعد هذا التحذير تحذير. . والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله - فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها - تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير.

ثم يعود السياق القرآني ليقرر أن الإيمان الحق إنما يتمثل في هذه الصورة: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم) . .

أولئك هم المؤمنون حقًا. . فهذه هي الصورة الحقيقية التي يتمثل فيها الإيمان. . هذه هي صورة النشأة الحقيقية والوجود الحقيقي لهذا الدين. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت